ما وراء الأسوار: التغيير والتغيير الإيجابي
دكتور ياسر موسى
“لا شيء في هذا العالم ثابت عدا التغيير ”
(هيرقلوطيس فيلسوف يوناني)
كان هذا تعريفاً لمفهوم الصيرورة الفلسفي وهو ضد مفهوم الكينونة الفلسفي أيضاً والذي يعني الثبات وكأنما التغيبر كضرورة وحتمية حياتية قد عرف منذ الأزل بل أخذ نصيباً ووقتاً من التفكير الفلسفي، ولا أجد في هذا الاتجاه أبلغ من كلام الله.
“لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم” (الرعد ١١)
التغيير هو الانتقال من حال إلى حال نحب أن نكونه أي من واقع لا نرضاه او لا يلبي ما نحتاجه إلى ما نحب أن يلبي احتياجاتنا ويرضي طموحنا، وكما يراه علماء الاجتماع فهو عملية مستمرة لها أهدافها وأدواتها ومواردها لا تخلو من خسارة لكن أرباحها عظيمة. التغيير الاجتماعي هو عملية أكبر، تحدث عندما تصبح القيم وقواعد الضبط الاجتماعي بعيدة عن تلبية حاجات السلوك كان تصبح قيمة الصدق مجرد قيمة، لكن السلوك أكثر ابتعاداً عنها، بل الكذب هو ما يسري وكذا الأمانة أو المروءة أو نجدة الضعيف بأن يكون عكسها ما هو سائد انتشار الفساد والهوان واستغلال الضعفاء. وقد أثبتت البحوث في علم الاجتماع أن انتشار الجريمة والانحطاط والاضطرابات النفسية وارتفاع معدلات الانتحار واغتصاب الأطفال وضعف الانتماء الجمعي ..الخ كل هذا مرده إلى تلك المسافة والهوة بين السلوك والقيم الاجتماعية، وهي أكبر مبررات إحداث عملية التغيير الاجتماعي وهي الانتقال من واقع غير مرغوب فيه إلى حال جديد يمثل حلم المجتمع، وهو ما يعرف في علم السياسة بالثورة. صُنف التغيير إلى نوعين: تغير آلي ويحدث تلقائياً بمرور الزمن ومن أنصاره المحافظون، لذلك عُرف بالتقليدي، لأنه يتم تدريجياً داخل المنظومة الاجتماعية ولا يُحدث تغييراً في النسق القيمي ولا الأفكار والمعتقدات ولا يعالج جوهر الفعل الاجتماعي بل يحافظ على الشكل فقط؛ أما التغيير الثاني فهو التغيير العضوي أو ما يعرف بالراديكالي، وهو عملية انقلاب كامل على كل ما هو ماض إلى جديد دون تردد أو خوف من تساقط قيم وإحلال أخرى، وهو ما يعرف بالثوري وفيه يرتج النظام الاجتماعي وتعم الفوضى إلى حين. ويهتم بالتغيير الجوهري الداخلي ويتسم بالجرأة والقوة والوضوح تراعي فيه حقوق الأفراد ودورهم في التغيير ويهتم أنصاره بالانتماء للإنسانية لتجد فئات الضعفاء اهتماماً كبيراً كما يهتمون بالأفكار والتفكير وتقديس الحريات.
من هذا المنطلق يتضح أن التغيير عملية حياتية بل وروحية تحدثت عنها الأديان حيث اشترط الإسلام أن يبدأ التغيبر من الفرد ثم يشمل المجتمع
الشخصية الإيجابية:
الشخصية الإيجابية هي حالة نفسية تجعل صاحبها ذا هم وانشغال بشيء ما، وهو ما يشعره بحس المسؤولية، مما يجعله دائم السعي لأجله، والإيجابية بشكل عام، تعنى الأفضل، من عطاء أو تفاعل أو شعور، أما مفهوم الشخصية الإيجابية: هي نظرة الشخص إلى كل ما حوله بعين الرضا، وهدف التحسين، والشخص الإيجابي هو الفرد الحريص على مصلحة الفكرة القائم عليها، وهو الفرد الناجح في التفاعل مع المجتمع، المتصالح مع نفسه، وهو ناجح في وضع خطوات التغير الإيجابي، وهو موضوع المقال. يرى وليام جلاسر، في نظريته: أسس الإرشاد الواقعي، أن الدافع الأهم هو محاولته إشباع حاجاته، وإثبات ذاته، فيجب معرفة أسس التغيير الإيجابي، لتحصيل أكبر قدر من الاستفادة، والتغيير نحو الأحسن، ويمكن تعريف التغيير الإيجابي المثمر، في ضوء مجموعة من المعايير على النحو الآتي أنه التغير الذي يشمل الأمور المهمة حقًا، وأنه المعني بتطويرها. إنه يوظف الأساليب الأكثر فاعلية، في العمل والأداء. إنه يؤدي إلى التحسين الذي يتسم بالاستمرارية. إنه يحفز الفرد على التغيير الجذري الفعلي. إنه يقود ويهدف إلى تحسين المخرجات، وانسجامها مع بعضها.
خطوات التغبير الإيجابي:
إن عزم الشخص على التغيير الإيجابي، وتزكية نفسه، لا بد من أن يبدأ بجدية في ذلك، وأن يحرص على خطواته، فعلى كل فرد العمل على تطوير نفسه، فالذي لا يطور من نفسه يندثر، وهي كما ذكرها العلماء كالآتي: خطوة الإسقاطات: إن الإنسان في أولى خطوات التغيير الإيجابي، لا يرمي اللوم على نفسه عند تقصيره، بل يجد مخرجاً لكل مشكلة، كأن يلوم أسرته أو مجتمعه، ولا بد من أن يخرج من تلك الأوهام، وأن يعرف أصل المشكلات ليعرف حلها.
خطوة الاستيعاب:
وهي خطوة ما بعد الإنكار، وهي أن يعترف المرء بوجود المشكلة ومصدرها، وهو أمر لا شك منطقي، فمن لا يعترف بوجود المشكلة لن يحلها أبدا!
خطوة الاستعداد:
وهي خطوة الاستشارة، السؤال، والتخطيط.
خطوة التطبيق:
وهي واحدة من أهم خطوات التغيير الإيجابي، إذ فيها تتم رؤية شيء ملموس من المراد، فالتطبيق والتنفيذ هو صلب الإنجاز، وحجة أصحاب النفوس الراقية المطمئنة الصالحة المصلحة العازمة على التغيير، ومن لا يطبق فلا يتوقع أي نتائج أبداً، ففي هذه المرحلة تتم معرفة الناجح في التغيير من الفاشل في ذلك.
خطوة المحافظة: وهي مرحلة العزيمة والإصرار والصبر، والتأكد من الحصول على النتائج، وذلك لضمان استمرارية النجاح أو رعاية محصلة التغيير للوصول إلى بر الأمان.
خطوة القضاء على المشكلة:
وهي مرحلة التغيير الفعلي، إذ يحدث في هذه المرحلة تطابق حقيقي وكامل بين السلوك والقيم، وفي هذه الخطوة يتم التأكد من حدوث التغيير والوصول إلى الهدف، ومراجعة الخطوات السابقة، لتمام عملية التغيير.
هذه الخطوات ذات البساطة والوضوح تتطلب إرادة ذاتية وعملاً دؤوباً لإحداث التغيير وهو ما يسهم في تهيئة بيئة محفزة للتغبير يكثر فيها الرضا والتفكير الايجابي ليتفجر الإبداع في طرق التطور والتقدم مما يقلل الاعتمادية والسخرية والنظرة السالبة والتفكير السطحي والتذمر وكثرة النقد غير المبني على المعرفة وتلاشي حدود المعرفة، ليصبح الكل عالماً في كل شيء، وكذلك تختفي حالة التربص بالناشطين بجدية والاختلافات حول كل فكرة.

