‫الرئيسية‬ ثقافة فنون فيلم ” As good as it gets” : تأملاتٌ و تأويلات
فنون - مقالات - 1 يناير 2023, 15:01

فيلم ” As good as it gets” : تأملاتٌ و تأويلات

فيلم ” As good as it gets” : تأملاتٌ و تأويلات
مهدي يوسف إبراهيم
……………………
أمس ليلاً – وبتحريضٍ مباشرٍ من الأمطار – لذتُ بغرفتي في مدينة “جدة” وقرّرتُ أشاهد – ربّما للمرة العشرين – فيلم ” As good as it gets” للعظيم “جاك نيكولسون ” والعظيمة ” هيلين هنت “..
تم إنتاج الفيلم في العام 1997 وهو من إخراج “جيمس بروكس” وقام بوضع السيناريو والحوار له “مارك آندرس” …ويتحدّثُ الفيلمُ عن العالم الشائه لبطله ” ميلفن أوديل” وعن علاقته بمن حوله من الناس سيما النادلة “هيلين” والرسام “سايمون” …. و تبرزُ في الفيلم هذه الشخصياتُ الثلاثُ ذات الملامح الجسدية والنفسية والاجتماعية مختلفة …*أولاّ ” ميلفن أودال “*يجسّدُ ” جاك نيكولسون ” دور ” ميلفن أودال ” وهو مؤلفٌ يتردّدٌ بانتظامٍ على عيادة طبيب نفساني.. كتب ” ميلفين ” أكثر من ستين رواية عاطفية لكنه يبغضُ الناسُ والحيوانات ويعيشُ في عزلةٍ تامة.. نراه في بدايات الفيلم يمسكُ بكلب جاره الشاذ جنسياً “سايمون” ويلقي به في مواسير المياه بلا رحمة.. حين يسيرُ “ميلفن” في الطرقات يتجنّب الاحتكاك بالناس ولا يخرجُ من بيته قبل ارتداء جوارب القدمين وقفازات اليدين (رمزية لعزلته عن الناس) ، وهو يسلكُ ذات الطريق ويرتادُ “كافتيريا بعينها ويجلسُ داخلها في ذات الطاولة وهو لا يستخدم الأكواب ولا الملاعق المقدّمة هناك بل يحضر معه أغراضه الخاصة، وهو يصرُّ أن تُخدّم عليه نادلةٌ بعينها.. وبالمقابل يبغضه الناس أيضًا.. ففي بداية الفيلم تهمُ امرأةٌ عجوزٌ بمغادرة شقتها للتنزه، وبعد ثواني يركّز المخرج على وجهها المليء بمشاعر البغض وهي تقول ” عليك اللعنة.. لقد أفسدت عليّ يومي ” …لنفهم بعد عدة دقائق أنها كانت تخاطب ” ميلفين ” …وتطلب منه جارةُ من جذور لاتينية أن يعتني بكلبها لأنها تريد الخروج لأمرٍ مهم فيصدها بفظاظة.. ولعلّ ” سايمون ” لخص الأمر حين قال لميلفين أوديل بحسمٍ ” أنت لا تحب أحدًا يا مستر أوديل “.. وقد أشار مؤلف الفيلم إلى أن بغض “ميلفين” للناس له أسبابٌ متعدّدة أبرزها مشاهد مختلفة في الفيلم (الدين كما في تعرضه للأسرة اليهودية، واللون كما في تهكمه من جاره الزنجي، والشكل كما في سخريته من نادلةٍ ضخمة الجثة.. الخ).
يتمتّعُ “ميلفن” بغلظةٍ في السلوك… يظهرُ ذلك بجلاءٍ في مواقف كثيرةٍ.. فمثلاً حين يجدُ شابًا يجالسُ شابةً في الطاولة التي يرتادها هو عادةً، يقول للشاب بغلظة ” متى ستفرغان من الطعام؟” …. ثمّ يضيفُ وهو يتأملُ أنف الشاب الكبيرة ” أتمنى ألا تكون شهيتك في الطعام تماثلُ أنفك في الحجم ” … وفي بداية الفيلم يقولُ بغلظةٍ لهيلين ” أنا سأموتُ وأنت ستموتين وابنك المريض سيموتُ أيضًا “.. حينها ثارت” “هيلين في وجهه وقالت بغضبٍ هائلٍ” إياك أن تذكر اسم ابني ثانية على لسانك أيها المختل المأفون”…
يتمتعُ ” ميلفن” أيضًا بسخريةٍ قاتلة …. فمثلاً حين تسأله شابةٌ معجبةٌ برواياته عن سر إجادته التعبير عن الأنثى يقولُ لها ” عادةً أفكّرُ في رجل، ثم أنزعُ عنه المنطق والمسؤولية “……
كان “ميلفين” إذن بغيضاً ولذلك لم يكن من المستغرب أن يصفّق الناس حين قام أحدهم بطرده من الكافتيريا ذات مرةٍ ما …*ثانياً: النادلة ” كارول ” – قامت بدورها العظيمة ” هيلين هنت “*

نادلة رقيقة الروح، جميلة الجسد.. تسكنُ مع أمها و ابنها “سبنسر ” المصاب بالربو و يتلقّى علاجه في مستشفى رقيق الحال ..و تعملُ في بارٍ بعيد بعض الشيء… تفشلُ “كارول” في إقامة علاقات سوية مع الرجال بسبب ضغوطها الاقتصادية و النفسية الهائلة و تكتفي بعلاقاتٍ جسديةٍ عابرة … تلفت “كارول” انتباه “ميلفين ” فيرفض أن تقوم نادلة غيرها بخدمته … تنفرُ منه في بداية الأمر بسبب لسانه السليط و غلظة طباعه ….تضطرُ ” هيلين ” للعمل في ملهى آخر في ” بروكلين” لتكون قريبةً من ابنها المريض ..لا يتكيفُ ” ميلفين “مع هذا الوضع …فيحضر لها طبيبًا جديدًا شريطة أن تعود إلى العمل في البار الذي يتناول فيه هو طعام إفطاره … تبدأ تهتم ” هيلين ” في الاهتمام بميلفين رغم كثرة الأشياء التي تغيظُها في شخصيته مثل استغراقُه الهائل في الروتين و التفاصيل إلى الحد الذي جعلها تصيحُ به ذات مرةٍ ” لماذا تصرُّ على الإجابة عن كل سؤالٍ أسألُك إياه؟” …ولأنها تدركُ أنه جاف ولا يأبه بمشاعر الآخرين البتة، تصرُّ على معاقبته بأن يقول لها قولًا لطيفًا كلما أغضبها …وذات مرة يقولُ لها ” أنت تجعلينني أريدُ أن أصبح رجلًا أفضل”.. فترد بقولها ” ربما كان هذا ألطف ما قيل لي في حياتي بأسرها ” …

*سايمون – قام بدوره ” غريغ كينير “*

جار “ميلفين “، طرده أبوه من البيت بسبب ممارسته الشذوذ الجنسي فترك مدينته “بولتيمور” ” وهاجر إلى “نيويورك”…”سايمون” يحترفُ رسم اللوحاتٍ لأجساد الرجال والنساء و يعتاشُ من ريعها …يرافقه فقط كلبه في شقته …وتربطه صداقةٌ مع وكيل أعماله الزنجي” فرانك”.. يكتشف ” فرانك” أن “ملفين” ألقى بكلب صديقه ” سايمون” في القاذورات فينتهز حادثة. تعرض الأخير إلى حادث سطوٍ واعتداء من بعض صعاليك الحي ويجبر ” ميلفن” على الاعتناء بالكلب المسكين …
يلزم ” سايمون” الفراش في المستشفى لأيام تنشأُ خلالها علاقة ودٍ بين بين “ميلفين” والكلب.. لتبدأ من هنا دواخلُ الكاتب الغريب الأطوار في التحول ويبدأُ الحب بمعناه الواسع يتسللُ إلى قلبه..
يدخلُ “سايمون” في أزمةٍ ماليةٍ و نفسيةٍ بسبب تكاليف المستشفى الباهظة وافتقاره لتأمينٍ صحيّ جيّد فيقرر السفر إلى “بولتمور” آملًا أن يغيثه والداه ، …يضطرُ ” ميلفين” أن يصطحبه معه في سيارته بجانب “كارول” التي وافقت على الذهاب معهما …و أثناء الرحلة (رمزية لرحلة الحياة العريضة) يحدثُ تقاربٌ بين “سايمون” و ” كارول” مما يشعلُ فتيل الغيرة في قلب ” ميلفين”…يخرجٌ “ميلفين” و ” كارول” ذات أمسيةٍ إلى بار حيثُ يجرحٌها “ميلفين” بأحد عباراته الحادة الحواف كعادته فتتركه و تعودُ إلى الشقة ..يعودُ “ميلفين” و يصيحُ في وجه ” سايمون” غاضبًا إن كان مارس الجنس مع ” كارول” فترد بقولها ” بل قد فعلنا ما هو أجمل من الجنس ..لقد تعانقنا طوال الليل “…
يتحدثُ الفيلم عن ثيما الحب…. عن قدرته الهائلة على تغييرنا وعن خواء حيواتنا من كل معنى بدونه …وقد أشار المؤلف إلى ذلك في مشهد في بدايات الفيلم …إذ نرى ” ميلفين” مستغرقًا في كتابة أحد رواياته وهو يقولُ ” الحبُ هو …. الحبٌ هو … ” لكن جرس الباب يقاطعُه في ذات اللحظة … عجزُ ” ميلفين ” عن تعريف الحب هو إشارة إلى جهله إياه حينها …غير أن الحب هو الذي يجمع الشخصيات الثلاثة المهمة في الرحلة في خاتمة الفيلم…
الحوارُ في الفيلم ذكيٌ و مختصرٌ و مباغتٌ في أحايين كثيرة …و يرتقي إلى شاعريةٍ شفيفةٍ في المواقف الرومانسية …فحين يرى “سايمون” جسد ” كارول ” و هي جالسة على حافة البانيو يحضرُ قماشه و فرشاته و يقول لها ” لا بدّ أن أرسمك ” ..ثم يضيفُ ” يا لجمال بشرتك و عنقك الطويل …أنتِ من جعل إنسان الكهوف ينحتُ على الحيطان ” …و حين تهدّد “كارول” ” ميلفين ” بالعودة إلى البيت و تركه وحيدًا في الشارع إن لم يقل لها شيئاً لطيفاً يفاجئها بقوله ” يا لغرابة هؤلاء الرجال الذين تقومين بخدمتهم في الكافتيريا ..كيف لم يتسنى لهم أن يعلموا أنك أجمل امرأة في الوجود؟”…..أما عبارات ” ميلفين ” فحادّة و مدبّبة الحواف معظم مشاهد الفيلم و تنمُّ عن مرارةٍ داخليةٍ هائلة …فنجده مرةً يقولُ لنادلٍ في حانةٍ إُثر غضب “كارول” منه ” يا لسخرية الأقدار ..كان يجب أن أكون الآن بين ذراعي حبيبتي ..و لكني ها هنا أحاولُ تبديد الوحشة بالحديث إلى نادلٍ أخرق مثلك لا يفقه شيئاً “…
أداء ” جاك نيكولسون” في الفيلم يصلحُ نموذجًا للتدريس في معاهد التمثيل في السينما … و هو من تلك الأداءات الخالدة في تاريخ السينما …لم يكن الرجلُ ممثلًا في الفيلم ..لكنه كان “ميلفين” بكل سخريته و لغة جسده و روحه و قلقه و عزلته ..أما ” هيلين ” فشاطرت ” نيكولسون ” العبقرية …و كانت مشاهدهما سوياً مبارياتٍ في الجنون الفني الرفيع …و لذلك لم يكن مفاجئًا فوز كليهما بجائزة الأوسكار عن دوره في الفيلم ….و ربّما كان جنون هذين الكبيرين هو الذي حرم ” ليونارديو دي كابريو ” و ” كيت وينزليت ” من الأوسكار عن دوريهما في الفيلم العظيم ” تايتانيك” الذي أنتج في ذات العام 1997

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *