‫الرئيسية‬ مقالات باستعمالِ “إلى” و”إلَّا” لمعرفةِ الوقت، ظللنا طولَه نلهجُ بلُغتِيْنِ دخيلتَيْن
مقالات - 9 ديسمبر 2022, 11:03

باستعمالِ “إلى” و”إلَّا” لمعرفةِ الوقت، ظللنا طولَه نلهجُ بلُغتِيْنِ دخيلتَيْن

محمَّد خلف
استغربنا وعقدت ألسنتَنا الدَّهشةُ حينما طلب منَّا الشَّاعر محمَّد مدني توخِّي التَّبسيطِ في تناولِ بعض المسائل الفلسفيَّة واللِّسانيَّة الَّتي كانت تشمل موضوعاتٍ مثل الزَّمانِ والمكانِ واللُّغة؛ فلو كان الأمرُ متعلِّقاً بشأنٍ اجتماعي، لذهبنا مع الأمين علي مدني في التماسِ هذا الشَّأنِ بين “أعراسٍ ومآتم”، ولقلنا معه إنَّ المتصارعَيْنِ بشأنِ حرِّيَّةِ المرأةِ في السُّودان مهما اختلفا على السَّطح، فإنَّهما لا محالةَ متَّفقانِ على المستوى الأعمق، فحريَّتُها لا تأتي بالتَّعبير الأجوف، وإنَّما بالإنجاز الفعلي وفي الوقتِ الملائم لتحقيق ذلك الحلم النَّبيل؛ ولو كان الأمرُ متعلِّقاً بأمرٍ سياسي، لأرسلنا صحفيَّاً استقصائيَّاً لإجراءِ مقابلةٍ مع مدني عبَّاس مدني لاستجلاء تعلُّقِه بخيار الحكم المدني: أجاءَ ذلك بتأثيرٍ من تطابقِ اسمه الأوَّل مع اسم جَدِّه أم لاختلافٍ ناشئٍ عن تمرُّد الابن على خيارِ أبيه، الَّذي شارك من قبلُ في تشكيلةٍ وزاريَّة لحكومةٍ غير مدنيَّة؟ ولو كان الأمرُ متعلِّقاً بأمرٍ اقتصادي، لتساءلنا مع الكثيرين: لماذا تحصِدُ المدنُ الكبرى أرباحاً طائلة من عائدات الصَّادرات الزِّراعيَّة، بينما تُعاني معظم مناطق الإنتاج في الأرياف من الضَّائقة الاقتصاديَّة؟ إلَّا أنَّ القضايا الَّتي تناولناها في السَّابق واستدعت تدخُّل محمَّد مدني في المقام الأوَّل كانت في مجملها قضايا معرفيَّة شائكة تتعلَّق بالزَّمانِ وخلافِه؛ أمَّا الأمرُ الَّذي نحنُ بصدده الآن في هذا المقال، فيستدعي الغوصَ مجدَّداً في اللُّغةِ العربيَّة العامِّيَّة المستخدَمة في مدنِ العاصمة الثَّلاث، والتَّساؤلَ المشروع بشأنِها: من أينَ تغشَّتها مسحةٌ خفيفةٌ من لغةٍ فرنسيَّة، وكان الأحرى أن تستلِفَ أكثر وأكثر من لغةِ الدَّخيلِ الَّذي جثم رَدَحاً على سُدَّة الحكم في البلاد، هذا إن لم تتبنَّها تماماً مثلما حدث في كثيرٍ من الدُّول الأفريقيَّة.
فلو أتى هذا الدَّخيلُ غازياً فحسب، برَّا أو بحراً أو جوَّاً، لكان من الممكن مثلما حدث تماماً الصُّمودُ أمامه ومقاومته، ولو بسيوفِ العُشَرِ أو بإشعالِ “حريقٍ في قلبِه”، إذ إنَّ العدوَّ سيكونُ حينئذٍ مثلما ظهر وقتئذٍ بائناً للعيان ومن الممكن ببساطة تحرِّي مواقعه ومكامن نقاط الضَّعفِ فيه. أمَّا إذا انبهمت ملامحُه أو غابت إشاراتٌ تدلُّ عليه، فسوف يُصبِحُ من الصُّعوبةِ بمكان تبيُّن شكلِه ووجهتِه، ناهيك عن منازلتِه في السَّاحةِ الَّتي اختارها لتنفيذِ الغزو؛ وهذا هو ما نحنُ بصددِه بالفعل، حينما يُحوِّلُ الغازي سلاحَه من المدفع الرَّشَّاش إلى الدِّفاع عن هيمنته الثَّقافيَّة. فعندما غزا نابليونُ مصرَ، صحِبَ معه ألفَ عالمٍ ومتخصِّصٍ في شتَّى ضروبِ المعرفة؛ وعندما بسط كتشنر سيطرته على بلاد السُّودان، أرسلت له حكومةُ بلادِه مجموعةً صغيرة من خرِّيجي أفضل الجامعات البريطانيَّة ليُديروا معه شؤون البلاد، ومن ضمنها الشَّأنُ الثَّقافيُّ الَّذي لم يلقَ كبيرَ اهتمامٍ من المؤرِّخين الَّذين يُركِّزونَ في المُعتادِ على الشَّأنِ السِّياسي. ولم يمضِ سوى وقتٍ قليل حتَّى رسخت لغةُ الغازي الفرنسيِّ في حاضرة مصر؛ وما كان لقدرٍ ولو ضئيلٍ من هذه اللُّغة أن يتغلغلَ جنوباً ليصِلَ إلى حاضراتِ السُّودانِ الثَّلاث، لولا أنَّ الغازي البريطاني قد صحِبَ معه شريكاً مصريَّاً لتأسيسِ حكمٍ ثنائيٍّ على أنقاض الحكم الوطني بعد إلحاق الهزيمة بجيش المهديَّة؛ فعبر هذا الشَّريك المصري، تسرَّبت بعضُ مفرداتِ اللُّغةِ الفرنسيَّة، لتُلبِّيَ الحاجةَ إلى إيجادِ المقابل الملائم للمبتكراتِ الحديثة، الَّتي يُحدِثُ الجهلُ بمُسمَّياتِها فراغاً هائلاً في لغة التَّعبير اليومي، والَّتي يعجزُ الغازي الإنجليزيُّ نفسُه عن سدِّ ثغراتِها بباقةٍ من مفرداتِ لغتِه الحيَّة، لعدم معرفتِه في الأساس باللُّغةِ العامِّيَّة المتداولة في المدنِ الثَّلاث.
ولأنَّنا أشرنا إلى هذا الأمر في مقالاتٍ سابقة، سنُعطي هنا فقط أمثلةً متفرِّقة لمفرداتٍ فرنسيَّة مستخدَمة في عدَّة مجالاتٍ حديثة، ثم ننتقلُ منها إلى مثالٍ آخرَ أكثرَ تعقيداً، لكنَّه أيضاً ضمن هذه المبتكراتِ الحديثة. ففي دورِ السِّينما، نستخدمُ كلمة “لوج” (وتقابلها كلمة “بوكس” بالإنكليزيَّة)؛ وفي المسرح، يستخدِمُ المسرحيُّون كلمة “أكسسوار” وتُجمَعُ على “أكسسوارات”، وتعني الأشياء وقطع الأثاث المستعمَلة على خشبة المسرح (وتقابلها كلمة “ﭙروب”)؛ ويكتبُ الصَّحفيُّون “الرِّيبورتاج”، وتعني التَّقرير الصَّحفي (“ريپورت” أو “كَڤَريدج”)، الَّذي نقرؤه في “الجورنال”، أي الصَّحيفة (“نيوزﭙيبر”، وليس المجلَّة “مَغَزين”)؛ وفي البناياتِ العالية، نصعُدُ ونهبُطُ باستخدامِ “الأسانسير” (“ليفت”)؛ وخارجها، نمشي على “التُّرتوار” (“پيڤمِنت”)؛ وفي “البلاج” (“بيتش”)، نجِدُ “الشَّاليهات”، وتعني “الأكواخ” (“كوتيدجيز”)؛ ونُقيمُ في “الأوتيلات” وتعني “الفنادق”، أو “البنسيونات” وتعني “النُّزُلَ المفروشة” (“هوتيلز”، أو “بوردينغ هاوسِز”)؛ وعندما كنَّا أطفالاً صغاراً، نلعبُ “البِلِّي” (“ماربِلز”) في شوارع الحاراتِ الضَّيِّقة، بعد أن نُخطِّطَ كلَّاً من “المِيس” و”اللِّين”، وتعنيانِ “الرِّهان” و”الخط” (“ذا بِتْ” و”ذا لاين”)؛ وفي مكاتبِ الدَّولةِ النَّاشئة، يرتدي الموظَّفون “القمصان” و”الكَرَفِتَّات” (“شيرتس” و”نِكتايز”)؛ وفي البيت، تضعُ الأُمُّهاتُ الأوانيَ في “الفترينة”، وتعني “دولاب العِدَّة” (“شوكيس”)؛ ويتجاذبنَ مع جاراتِهِنَّ طرفاً من أحاديثِهِنَّ الحميمةِ على “الكَنَباتِ”، وتعني الأرائك، (“سُوفاز”) المرصوصةِ على أرضيَّةِ “الفرندا”، وتعني “الشُّرفة” (“پورش”).
يُلاحظُ هنا أنَّ كلَّ المفرداتِ الواردةِ في الفقرةِ أعلاه والمنحصرةِ داخل مزدوجتَيْنِ صغيرتَيْنِ خارج القوسَيْن الكبيرَيْن، مثل “لوج” و “أكسسوار” إلى آخرِها، هي كلماتٌ عامِّيَّة ذاتُ أصلٍ فرنسيٍّ تمكَّنَ بعضٌ منها من دخول مجال استخداماتِ اللُّغةِ العربيَّة الحديثة لغياب البديل المناسب، بينما فشلت أخرى لوجودِ البديلِ الأكثر ملائمةً في مجالِ التَّعبيرِ اليومي. إلَّا أنَّ استخداماتِ “إلى” و “إلَّا” لمعرفة مواقع عقارب السَّاعةِ على المِينا (أي وجه السَّاعة) هي أكثرُ تعقيداً من مجرَّدِ استلافِ مفرداتٍ أجنبيَّة؛ فالأمرُ هنا يتعلَّقُ بطريقة استخدام العدد وكيفيَّة تطبيقه على أحدِ أهمِّ مبتكراتِ القرن الخامس عشر، وهي السَّاعةُ الَّتي تُشيرُ إلى الوقت وتضبط قياسَه وتُسهِّلُ إجراءاتِ التَّحكُّم في مواعيدِه. ولا خلافَ في أنَّ اللُّغةَ العربيَّة الكلاسيكيَّة تشتملُ على قواعدَ مُحكَمَةٍ لطُرُقِ استخداماتِ العدد، ولكنَّها تفتقِرُ إلى كيفيَّةٍ لوصف حركة عقارب السَّاعة على وجهِها، إذ إنَّ النَّابض الحلزوني الَّذي يختزنُ الطَّاقةَ الميكانيكيَّة ليُرسلَها على نبضاتٍ منتظِمة لم يتمَّ اختراعُه إلَّا بعد تقعيدِ اللُّغةِ العربيَّة في العصرِ العبَّاسي الوسيط، كما أنَّ بندول السَّاعة لم يتمَّ استخدامُه إلَّا في القرن السَّابع عشر. وقد اتَّبعتِ الإنكليزيَّةُ طريقةً تختلف عن اللُّغةِ الفرنسيَّة في وصفِ حركة عقارب السَّاعة؛ لذلك، لقينا عَنَتَاً شديداً في التَّعوُّدِ على طريقةِ اللُّغةِ الإنكليزيَّة أثناء تعلُّمها في المراحلِ المتوسِّطة، بينما تعرَّض زملاؤنا في فصول تعليم اللُّغة الفرنسيَّة في كليَّةٍ بمنطقة كينزنغتون بغربِ لندن لذاتِ العَنَتِ في التَّعوُّدِ على طريقةِ وصف عقارب السَّاعة وهي تتنقَّلُ على وجهِها من رقمٍ إلى آخر.
ففي اللُّغةِ العربيَّةِ العامِّيَّة المُستخدَمة في المدنِ السُّودانيَّةِ الثَّلاث، أصبحنا نقولُ في وصفِ السَّاعةِ، جَرياً على اللُّغةِ الفرنسيَّة الَّتي وصلتنا عن طريقِ الظَّهيرِ المصري: “تسعة ورُبُع” (“نُوﭪ إيغ إي كاغت”) و”تسعة ونُص” (“نُوﭪ إيغ إدمي”) و”عشرة إلَّا رُبُع” (“دِيز إيغ موال كاغت”)، وهو ما تبنَّته اللُّغةُ العربيَّة القياسيَّة بالقول: “التَّاسعة والرُّبع” و”التَّاسعة والنِّصف” و”العاشرة إلَّا رُبعاً”؛ في مقابل نفسِ الأمثلة، يقول المتحدِّثون باللُّغةِ الإنكليزيَّة ما يُمكِنُ ترجمته غير المُستساغة لعدم الاستخدام، كالآتي: “رُبُع بعد تسعة” و”نُص بعد تسعة” و”رُبُع إلى العاشرة”، وهو ما يُمكِنُ نقلُه إلى القياسيَّةِ بالقول: “الرُّبع بعد التَّاسعة” و”النِّصف بعد التَّاسعة” و”الرُّبع إلى العاشرة” (أو “الرُّبع نحو العاشرة”). وعلى نفسِ المنوال، أصبحنا نقول: “تسعة وخمسة” و”تسعة وعشرة”، مع أنَّ الفرنسيِّين يُسقِطونَ واوَ العطف في هاتَيْنِ الحالتَيْن؛ وكذلك، نقول: “خمسة إلَّا عشرة” و”عشرة إلَّا عشرة”، وهو ما قبِلَته القياسيَّة بالقول: “العاشرة إلَّا خمسِ دقائق” و”العاشرة إلَّا عشرِ دقائق”، وذلك باستيعاب أداة “إلَّا” (“موا’ن‘”) المنقولة عنِ الفرنسيَّة، مع إضافةِ التَّمييز (“دقائق”) وقلبِ البنيةِ الصَّرفيَّة للعبارة لتُناسِب قواعد الصَّرف العربيَّة. وهنا ينشأ سؤالٌ عمَّا إذا كان هناك عاملٌ آخرُ أدَّى إلى تأثيرِ اللُّغة الفرنسيَّة على اللُّغةِ العربيَّة العامِّيَّة السُّودانيَّة غيرُ ذلك العامل الَّذي جاء في الأساس بسببِ النَّزعةِ التَّثاقُفِيَّة الفرنسيَّة لحملةِ نابليونَ على مصر؟
سلبيَّاً، أدَّتِ السِّياسةُ البريطانيَّة الَّتي تنزعُ نحو بَسطِ الحُكمِ غيرِ المباشر وتركِ الثَّقافاتِ المحلِّيَّة لحالِ سبيلِها إلى لجوءِ اللُّغةِ العربيَّة العامِّيَّة في مدنِ السُّودانِ الثَّلاث إلى المعاونِ المصريِّ لسدِّ الثَّغراتِ في اللُّغةِ المحلِّيَّة من مَعينِ معرفتِه باللُّغةِ الفرنسيَّة. إلَّا أنَّه من ناحيةٍ إيجابيَّة، كانت هناك بعضُ الجيوب المُنتِجةِ لانتشارٍ ولو محدودٍ للغاية للُّغةِ الفرنسيَّة، منها المدارسُ الثَّانويَّة المصريَّة الَّتي كانت تعكفُ على تدريسِ اللُّغةِ الفرنسيَّة في فصولِها؛ وكذلك شُعبةُ اللُّغةِ الفرنسيَّة بجامعة الخرطوم، ووحدتُها المُلحَقة لتعليم اللُّغة “السِّيدوست”؛ هذا إضافةً إلى المركز الفرنسيِّ الَّذي يُوفِّرُ في الأمسياتِ فرصةً للرَّاغبينَ في تعلُّمها. لكنَّنا صُعِقنا بعد الانتفاضةِ بأشدِّ أنواع المفاجآت. فقد ظهرت فجأةً منطقةٌ في سوبا تكالَبَ عليها طالبو السَّكنِ الشَّعبي (المسمَّى غفلةً بالعشوائي)؛ وكان أن انضمَّ إلى ذلك التَّكالُب عددٌ لا يُستهانُ به من المتعلِّمين والمثقَّفين الَّذين حرمتهمُ الدِّيكتاتوريَّةُ الثَّانيَّة من حقِّ العيشِ الكريم، فتمَّ تنظيمهم من قِبَلِ المهندس عثمان الخير وباقةٌ من مهندسي مركز أبحاث البناء بجامعة الخرطوم، الَّذين أعدُّوا خُرَطاً ملائمةً للطَّقسِ الحار وتصاميمَ ذكيَّةً ومُبتكراتٍ تعملُ بالطَّاقةِ المتجدِّدة وتساعدُ على تقليل انبعاثاتِ غاز ثاني أكسيد الكربون. وكان من ضمن سياسة الجمعيَّة – الَّتي فشلت في تسجيلِ نفسِها عند مُسجِّلِ الجمعيَّات لأسبابٍ تتعلَّقُ بالإجراءاتِ البروقراطيَّة – أن تتعاونَ مع المجالسِ واللِّجانِ الشَّعبيَّة حول منطقة سوبا. وفي زيارةٍ للَّجنةِ الشَّعبيَّة لمنطقة دار السَّلام الواقعة جنوب الحزام الأخضر، فوجئنا بأنَّ اللَّجنة سمحت بتشغيلِ ثلاثِ دورٍ محلِّيَّة للسِّينما، وأنَّ معظم الأفلام الَّتي تُعرَضُ في تلك الدُّورِ ناطقةٌ باللُّغةِ الفرنسيَّة، لأنَّها ببساطةٍ شديدة هي لغةُ التَّداولِ اليوميِّ لمعظمِ رُوَّادِها!
غير أنَّنا نُفجَعُ الآنَ خلال أحداثِ هذه الثَّورةِ السُّودانيَّة الجارية وتمتلئُ صدورُنا بغضبٍ عارم، حينما نرى النَّاطقين باللُّغةِ الفرنسيَّة القادمين من أعماقِ القارَّةِ السَّمراء يتمُّ تجييرهم لصالحِ القوَّةِ المضادَّة للثَّورة، فينخرطون في أبشعِ أنواعِ الجرائم من تقتيلٍ ونهبٍ واغتصابٍ وعنفٍ غير مبرَّرٍ تجاه الأبرياء العزَّل الَّذين يسهرُون على الثَّورةِ ويحملُونها في أعناقِهم وحدقاتِ أعينِهم. نحنُ نعلمُ أيضاً أنَّ الطُّغاةَ يقومونَ دائماً بتغريرِ البسطاء، وأنَّ أعداداً منهم ربَّما تكونُ أكثرَ استعداداً لبيع أنفسِهم للمستبدِّينَ بالحُكم. إلَّا أنَّ ثورة الوعي لا تقِفُ فقط عند حدودِ استقاءِ الدُّروسِ من التَّجاربِ البونابرتيَّة، وإنَّما تنفُذُ للثَّورةِ الفرنسيَّة ذاتِها لتقتديَ منها شعاراتٍ تخصُّ واقعَها الثَّقافي، فهذا العمقُ الأفريقيُّ للثَّقافةِ السُّودانيَّة سيتمُّ حتماً تجييرُه إن عاجِلاً أو آجِلاً لصالحِ الثَّورة، وسوف يقفُ القادمونَ من أقاصيَ الحزامِ الأفريفيِّ العميق، إلى جانبِ النَّاطقينَ باللُّغةِ الفرنسيَّة في جنوبِ الحزام، في الصُّفوفِ الأماميَّةِ للحراك الثَّوري، لِيثروه بثقافةٍ جديدة ولغةٍ مغايرة؛ وحينها، ستُصبِحُ دارُ السَّلامِ حقَّاً وبالفعلِ داراً للحرِّيَّةِ والعدالةِ، علاوةً على احتضانِها لسلامٍ حقيقي ولمُقيمينَ قادمينَ من شتَّى أصقاعِ البلادِ وأعماقِها الأفريقيَّةِ القصِيَّة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *