‫الرئيسية‬ ثقافة قصة قصيرة واحد طيباااااان !!
قصة قصيرة - 6 ديسمبر 2022, 13:01

واحد طيباااااان !!

منذ عهد طفولته الأولى وهو هادئ الطبع، فمنذ أن كان في المهد لا يبكي مثل أقرانه، ولا يصرخ، ولا يثير ضجيجا دائما نائما مبتسما…. كل من يريد حمله يذهب إليه بعفوية وبراءة لا يرتاب من أحد ويتكئ برأسه على كتفه كان ودودا محبوبا.

حتى أيام وسنوات الطفولة والشقاوة واللعب والمرح لم تستفزه أو تغريه ظل ساكنا متأملا.. إلا قليلا.
يعلو وجهه الابتسام ويشيع السكينة حوله.
نما متفرجا أكثر وقته يلبي طلب من سأله ويحنو على الكل.
جالسا مؤدبا مسالما لم يُتعب أبويه أو أحد من المعلمين في المدرسة.. دائما نظيفا مؤدي واجباته وفروضه ومن الأوائل.
مارس وشارك في الرياضة بانتظام وخلق قويم..
شب هكذا ولم تنح نفسه إلى الشر يوما ودائما في خدمة الجميع، وفي عطاء لا ينقطع. لا يحس ولا يعرف مبدأ العراك والجدل تدرج في مراحله الدراسية وسط أهله وأقرانه وتجاوز مراهقته في يسر لم تجنج به إلى أي منزلق أو نزق.
التحق بالجامعة لم تغر ه السياسة واعتراكها ولا التحزب ولا الجدال الذي كان شائعا حينها داخل الجامعات، ولا التكالب على الهوى أو الأهواء.
رغم ذلك لم يكن منطويا أو منعزلا كان ملتزما بأداء كل الواجبات التي تشغل الإنسان السوي. دائما في إرضاء للكل دون تكلف أو رياء مدفوعا بكل ما يحمل من قلب عفي وضمير صادق يقظ.
أكمل الجامعة بالمثالية المعهودة فيه وجلس في انتظار الالتحاق بوظيفة وفق رؤى صادقة مستنيرة تعينه وترتقي به تُكمل مشوار حياته لبناء أسرة وأداء واجبات مفروضة تجاه من حوله. لكنه لم يوفق رغم تميزه كالكثيرين من حوله.
عاونه أبوه وابتاع له عربة مستعملة ليبدأ فيها كسب العيش، وعمل بما يسمى ب (الترحال) كسائق عربة أجرة
فكانت فرصة متاحه له وميدان ليمارس فيه طيب وقويم خلقه وأريحيته ومعروفه، فكثيرا ما رفض أخذ أجرته لضيق ذات يد من ركب معه وكثيرا ما أوصل البعض منهم إلى المستشفيات، ودخل معهم وتابع حالتهم، واستنكف أن يأخذ منهم قرشا، وكثيرا ما تابع جنائز وعاد مريضا ممن ركبوا معه أو ممن يمت إليهم بصله وكثيرا ما نفح البعض منهم مالا لمن يحتاج منهم في طريقه، وأعان الضعيف والمغلوب والمسكين وذوي الحاجات.
كل ذلك بتلك العفوية والرضا دون من أو أذى وفي إخفاء وحرص.
لم يجن من عمله شيئا يذكر، فألح عليه أبوه في السفر والاغتراب إلى دول الخليج لينحو نحو العامة من الشباب لإكمال نصف دينه وتكوين أسرة.
سافر إرضاءً لأبيه وطاعة له وفي سكينة وتروٍّ عمل في إحدى الشركات وجابه ما يواجهه المغترب في تلك الدول من غربة في الوجه واليد واللسان من ومع كثرة الأجناس والألسنة وغرابة التعايش معهم واختلاف عادتاهم وطباعهم وازدرائهم للغريب عنهم وتكالبهم على الفرص والاستحواذ والتحدي والاغتنام.
رغم عروبة البلد وتقدمها ورقيها وازدها لم تألف نفسه كل ذلك، ولم يجد مكانا صالحا ليمارس فيه عفويته ويقظة ضميره الملحاح  فما يحمله في نفسه يتأتى دون قصد أو عمد منه.
ظل أكثر من عامين في غربته وأحسن أنه يختنق وخاف على نفسه من أن يتبدل به الحال إلى ما لا يريد أو يرغب ولم تطاوعه نفسه على ارتياد نهجا لم تألفه أو يناسبها.
لم يحس أنه خُذل ولكن لم يجد في الغربة أرضا صالحة يوطن فيها ذاته الفريدة.
فعاد أدراجه إلى موطنه على عِلاته وتهالكه عله يعينه. عاد بذات الصفات الغالبة عليه وهو على يقين أن أغلب أبناء موطنه يحملون في دواخلهم سمات شبيهة لما يحمل تجعلهم يعانون في التأقلم مع الغربة وما تحمل؛ مما يستدعي تبدل النفس إلى ما لا تألف.
عاد إلى موطنه وقبع فيه يواجه مصيره المحتوم وقدره المرصود له أيا كان إلى أن يقضي الله له أمرا كان مقدورا.
إقبال صالح بانقا
20/11/2022م

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *