أشرف عبد الحي 
‫الرئيسية‬ مقالات نكبة الخوارمبير أمام مرآة الكفاح الثوري
مقالات - 22 نوفمبر 2022, 8:39

نكبة الخوارمبير أمام مرآة الكفاح الثوري

أشرف عبد الحي

“الخارمبير” هو “الخارم بارم” بِمَكنة “خبير”. الخارمبارم + خبير = الخارم (بارم خ)بير. وعليه إذا أردت أن ترى “الخارمبارم” مجسّدا في شخص فكل ما عليك القيام به هو أن تتأمل خطاب هذا النوع من “الخبير”. الخوارمبير أشكال وأصناف، ولكن لفت نظري نوع محدد من الخوارمبير في سياق الثورة السودانية. هذا النوع من الخوارمبير يمارس شكل من أشكال الوصاية على الثورة وينطلق من داخل بنية أحادية التفكير ولذلك لا ينتبه له أحد ليس بسبب اللغة بل بسبب خارمبيرية الخطاب. بالعكس لغة الخارمبير يمكن أن تكون “فصيحة” (بمعيار نحوية “ضرب زيد عمر”) لكنه يتحدث من داخل بنية خطابية لا يفهمها أحد خارج دائرة الخوارمبير.

الخارمبير فرد “متخصّص” (بالمفهوم الفني للتخصّص)، وفي أغلب الأحوال تخصّص “تقني” عالي (خبير بيوتات مالية، خبير اقتصادي، خبير في الإدارة العامة، أستاذ جامعي، طبيب، مهندس، إلخ). الخارمبير يختزل “المعرفة” في “التعليم المدرسي”. ولإقناع الأخرين بأنه يمتلك “الحقيقة” وأنه “المثال” الذي يجب أن يحتذى به تجده في أول تفاعل له مع الشارع الثوري يرفع كرت أنه “خريج جامعة الخرطوم” أو عمل مديرا “لمنظمة دولية”، إلخ. ومعظمنا يعلم العلاقة بين “الحقيقة” (بالمفهوم الوضعاني) و”التعليم التّقني”. التعليم التقني بطبيعته في مثل هذه السياقات يؤسّس لعلاقات سلطة رأسية وليس لعلاقات تضامن أفقية: طبيعة المنهج العلمّي الوضعاني تحدّد مسبقا شكل العلاقة بين “الباحث” و”الشارع”! بعبارة أخرى، المعرفة الأكاديمية التقنية بطبيعتها ومنطقها الداخلي والتي مرجعيتها الجماعة العلمية ليست مهيّئة للتفاعل مع الشارع الثوري بشروطه التاريخية. المؤسسة الأكاديمية يمكن أن تخرّج “متخصّصا” في حقل معيّن ولكنها لن تؤهله أن يكون “مثقفا” بأدبيات وذهنية الشارع الثوري والذي عموده الفقري هو لجان المقاومة.

وهذا هو السبب الذي يجعل الخوارمبير يحرقون مساحات المنفعة التشاركية بينهم وبين لجان المقاومة لأنهم لا يجعلون “التفاعل” أساس عملية إنتاج المعرفة. فذهنية الخارمبير ذهنية خطية للنخاع: العلم (بالمفهوم المختبري الضيق) أولا ومن ثم الشارع كحالة تطبيقية مختبرية وليس كشريك في عملية إنتاج المعرفة: الخارمبير يؤمن بأن لديه اكتفاء ذاتي من المعرفة ولا يحتاج أن يتعلّم من الشارع. من المتوقع أن يكون الخارمبير قد جالس بعض لجان المقاومة عدة مرات بل ومن المحتمل أن يكون قد اطّلع على أفكارهم وأديباتهم ولكنه لم يفهم منها شيئا لأنها تستعمل لغة مختلفة مصدرها قاموس مختلف عن قاموسه. نكبة الخوارمبير هي أنهم اكتشفوا أنهم يخاطبون أنفسهم بصوت عال أمام مرآة التفاعل الثوري. ولذلك لم يسمعهم أحد! هذا لا يعني اطلاقا بأن الميثاق الثوري “نص مقدّس”، بل بالعكس إذا كان هناك ضحايا للميثاق الثوري فإن أول الضحايا هو مفهوم “النص المغلق” بسبب أن نص الميثاق الثوري يتحرك مع حركة معطيات الواقع السياسي والاجتماعي ولذلك هو نص دائما مفتوح على مستوى الفكرة والتجربة للإضافة والتعديل.

الخارمبير يعتمد على “سلطة المعرفة الاكاديمية” لترتيب العلاقة بينه وبين الشارع الثوري وكأننا في فصل دراسيّ! ولذلك تجد “عباراته” يغلب عليها “الوعظ” الذي يجعله يتوهّم أنه مصدر الحكمة والكون. ولذلك لا ينتبه الخارمبير مثلا الى أن الشارع الثوري لديه معرفة بطبيعة الاقتصاد النيولبرالي أو طبيعة البنية الكولونيالية لدولة ما-بعد-الاستقلال. الخارمبيرية تفرض على الشخص الذي يعمل من داخلها تبعية ذهنية تجعله ينظر الى العالم من خلال “سيرته الذاتية”. على سبيل المثال، بعض الخوارمبير يبتدرون مداخلاتهم في السمنارات العامة أو تعليقاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بأنهم “اعتلوا مناصب عليا في حكومة حمدوك”، أو عملوا في منظمات دولية. بل أن بعضهم الذي اعتلى منصبا سياسيا تجده يكتب تحت توقيعه على المراسلات الرسمية أسماء الكتب الأكاديمية التي نشرها مؤخرا.

الخارمبير يفكّر بمنطق “سنكروني” لا يتخطى أرنبة أنفه. على سبيل المثال، تجد بعض الخوارمبير الذين يطرحون مشاريع سياسية بديلة لمواثيق اللجان يتحدثون عن “حقوق الإنسان” و”السلام” بمنطق “سنكروني” يتعامل مع “الدولة” كمعطى سلفا “من الطبيعة” وليس كبناء تاريخي كولونيالي. ولذلك تجد طريقة تفكيرهم حول هذه القضايا المهمة حبيسة المنظومة الأوربية اللبرالية التي تشكّل من داخلها خطاب “حقوق الإنسان”. ولذلك تجده ينادي بمحاكمة البشير في لاهاي دون أن يعي بأن لاهاي تحاكم الأفراد وليس “الأنظمة السياسية”. ولو تمّعن الخارمبير الميثاق الثوري لسأل نفسه لماذا لا يوجد فيه إشارة الى لاهاي وفي المقابل يوجد فيه مطلب محاكمتهم “داخل السودان من قبل السودانيين وفقا للدستور الانتقالي”؟ (الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، صفحة: 32). ولِعَلِم أيضا هذا الخارمبير بأن هدف ثورة ديسمبر يتخطّى إزاحة اللجنة الأمنية من السياسة لأنها – نقلا عن الميثاق الثوري – “لیست ثورة ضد النظام البائد واللجنة الأمنیة فقط، بل ھي ثورة مشروع وطني جذري یوحد السودانیین على أساس دولة المواطنة والحقوق المتساویة ویعید لھم قرارھم واستقلالھم السیاسي والاقتصادي في دولة مدنیة دیمقراطیة.” (الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، صفحة: 6).

الخارمبيرية كذهنية مجسّدة في سلوك لغوي تنظر للشارع كجغرافية وليس “كمجموعة من الأنظمة المعرفية” المتداخلة والتي أساسها علاقات تضامن وتنافس ومصالح، إلخ. رغم التخصص التقني الموضوعي، إلا أن الخارمبير ينطلق من منطق يسوعي عجيب جعله ينظر لنفسه بأنه “المنقذ” للثورة الذي جاء “من السماء” (اقرأ: من الخارج) ليحقق لها “العبور” و”النصر” و”الوحدة”، إلخ. الخارمبير يعتمد على مفهوم “الخبير” بالمفهوم “النيولبرالي” للمصطلح. كما أشرت أعلاه، أهم ما يميّز “الخبير” داخل النظام النيولبرالي هو أنه يمتلك “الحقيقة” والتي مصدرها ليس “الشارع” بل مصدرها السيرة الذاتية “العلمية”. ولذلك يتعامل الخارمبير مع لجان المقاومة بمنطق “مختبري” يزعم من خلاله إنه يرى ما لا تراه لجان المقاومة. وعندما يشير ويمدح لجان المقاومة تأخذ هذه الإحالة شكل رمزي بمنطق العلاقات العامة. هذا لا يعني إطلاقا أن الخارمبير لا يؤمن بالثورة. كل مشكلة الخارمبير – كما ذكرت أعلاه – هي أن الشباب الثوري يستعمل “لغة أجنبية” لم يتعوّد عليها (يتعوّد = عادة = تجربة تاريخية) ولذلك لا يفهمها لغياب هذا التناص التاريخي. لغة الخارمبير يغلب عليها بصمة الهبوط الناعم. وهذا هو مربط نكبة الخوارمبير. فقد اكتشف هؤلاء الخوارمبير أنهم عراة معرفيا أمام مرآة الكفاح الثوري. وهي نكبة “معرفية” لأن الخارمبير يعتقد (لانه ينطلق من “معتقد”) بما أنه “دكتور/بروفسير” في جامعة أوربية/أمريكية أو خبير في منظمة دولية فقد امتلك ناصية “الحقيقة” (بالمفهوم الوضعاني لمصطلح “الحقيقة”) وعليه يمكن أن يسوّق نفسه أو يسّوقه حزبه/شلتّه لمنصب “رئيس الوزراء” أو بالميّت “وزير ثروة حيوانية”.

الخارمبير أيضا يؤمن بأن “نظافة اليد” (أي بأنه لم يختلس أو ينهب مالا عاما من قبل) قيمة مضافة لرأس المال الرمزي لتولّي دور سياسي. وهذا يذّكرنا بالخوارمبير في منظومة قحت الذين جعلوا “نظافة اليد” مؤهلا لتولي منصب سياسي وليس شرطا أساسيا في الخدمة العامة. كذلك الخارمبير يؤمن بأنه يمكن أن يوقّع إنابة عن الشعب من أجل الشعب. الشعب في نظر الخارمبير يمكن اختزاله في “فرد” لأن الفرد – بالنسبة للخارمبير – هو أساس الشعب وليس العكس! الخارمبير لا يؤمن فقط بتسليع المعرفة بل والأهم أنه يحاول أن يستغل اقتصاد المعرفة النيولبرالي بحثا عن “قيمة تبادلية” “لخبرته العلمية” في سوق السياسة والسلطة. الخارمبير ينظر الى “السياسة” بأنها سوق تنافسي و”الحشاس يملأ جيبه” (“الجيب” علامة سلطة رمزية وليس فقط علامة سلطة مادية). هذه الفردانية والتي هي أحد ملامح الخطاب الخارمبيري نجدها تنعكس في فهمهم لأي مجتمع (شعب، منظمة، آلية، مركز، إلخ) بأنه مجموعة من “الأفراد” تنظم علاقتهم ببعضهم البعض علاقات سلطة معرفية. ولذلك تجد سيرهم الذاتية خشم الباب (السيرة الذاتية علامة سلطة هرمية)! عليه بالإضافة الى الفردانية هناك ملمح أخر لأيديولوجية الخارمبيرية وهي: النخبوية elitism. النخبوية هي الصديق الحميم للخارمبيرية. الخارمبير لديه حساسية عالية ضد “التفاعل” الذي يتطلب مواقف أخلاقية. هذه الملاحظة تجدها مجسّدة في مواقفهم السلبية اتجاه الخطاب العنصري والذكوري خاصة الخطاب المشيطن للجان المقاومة وأدبياتها على شبكات التواصل الاجتماعي.

بما أن الخارمبير ينطلق من منصة “سيرة ذاتية” تجد أن ألدّ أعدائه هو “اللايقين” خاصة المساحة الفاصلة بين الاستبداد والثورة. ولذلك أيام الإرهاصات الأولى للثورة قبيل إسقاط البشير لم تكن تسمع للخارمبير صوتا أو حسا ولو قدمّت له دعوة للمشاركة في فعالية ثورية تجده يتحاجج بأنه “خبير علمي” مكانه البيوتات الدولية أو المحاضرات العلمية العامة وليس الفعاليات السياسية. هذه “الطهرانية الخارمبيرية” سببها هو كراهية اللايقين وحب الاستقرار ولو كان الأمر بيد الخارمبير لاختار اختفاء كل الثورات في العالم باسم الاستقرار والأمن كيفما اتفق مع مصالحه على حساب الحرية والديمقراطية. هذه الطهرانية الخارمبيرية ليست مبدأُ بل إستراتيجية لأن الخارمبير سرعان ما يطفو على السطح في السياقات الثورية ويطرح نفسه بأنه مركز “العبور” و”الوحدة”. الخارمبير يسعى دائما للأكل من كل الموائد: موائد الاستبداد والثورة والديمقراطية، لأن الهدف دائما هو “السيرة الذاتية”.

اللافت للنظر في الخوارمبير أنهم عندما يُستَوزرون أو يُعيّنون في مناصب سياسية عليا وتنتهي فترتهم أو إقالاتهم من هذه المناصب لأي سبب من الأسباب تجدهم بعد فترة قصيرة ينشرون أخبار توظيفهم في أرقى المناصب في المنظمات الدولية في مزاودة “رخيصة” على الشارع الثوري. والمتمعّن لشكل هذه الأخبار يلحظ أن هناك محو للتاريخ الذي بسببه وُظِّف هذا الخارمبير في هذه المنظمة الدولية: لا يوجد شكر أو تقدير لدماء وتضحيات الثوار والتي لولاها لما سمع عنه أحد من الحلة المجاورة لحلة هذا الخارمبير. طريقة عرض الخبرعلى شبكات التواصل توحي بأن الخارمبير حصل على هذه الوظيفة من خلال “مؤهلاته العلمية” وخبرته فقط. كما ذكرت، السيرة الذاتية للخارمبير تركّز على “الذات” وتنسى “التاريخ” (أي السيرة) التي أسّست هذه الذات. الأنكي أن تجد “وكلاء” لهولاء الخوارمبير (خاصة الخوارمبير الذين تم توظيفهم في منظمات دولية) يزاودون بهم على الشارع الثوري بأن البلد فشلت في الاستفادة من خبراتهم واستفاد منها الأجنبي وبهذه الطريقة يتم بناء علاقات سلطة بين الخوارمبير وبين الشارع من شأنها أن تذّوب أي تفكير نقدي لمحاسبتهم على أي تقصير بالطريقة المتعارف عليها في الممارسة السياسية!

إن المشكلة ليست إطلاقا في التعليم التقني في ذاته بل بالعكس هناك حاجة وظيفية ملحّة له في سياق مشروع بناء دولة مؤسسات مدنية حديثة. المشكلة هي في الخارمبير الذي يجتهد في ترجمة خبرته العلمية المتخصصة كيفما اتفق الى رأس مال سياسي لخدمة مصالح ذاتية. هناك عدد كبير غير محصي من الثوار والكنداكات لديهم تأهيل تقني جامعي وفوق جامعي في شتّى ضروب الحياة (أطباء وصيادلة ومهندسين ومحامين، إلخ) ولكنهم يمارسون الفعل السياسي الجماعوي في بعده المادي والمعرفي من داخل قلعة الكفاح الثوري وليس من خارجها. عندما تستمع الى مداخلة أحد الثوار او الكنداكات على الزووم أو تتأمل في تجربتهم التاريخية فأنت تحس “بصدمة معرفية” سببها أن أدوات “التفكير المدرسي” التي نشأنا عليها قاصرة في فهم المنطق القاعدي الذي يعملون على أساسه والذي من خلاله أنتجوا الميثاق الثوري. أنا لا أتحدث هنا عن “المضمون” فقط بل عن المنطق التاريخي الذي أنتج هذا المضمون. وهذا أحد الأسباب التي جعلت لجان المقاومة ضيوف غير مرحب بهم من قبل الخوارمبير على مائدة الخطاب العلمي المنتج خارج المؤسسة الرسمية علاوة على أنهم ضيوف جدد على مائدة الخطاب السياسي على حد المقولة الجبّارة للصديق صلاح الزين. إنتاج ميثاق ثوري جامع عليه توافق بصورة عامة (دون الحاجة الى تعميم مطلق لهذا “التوافق”) ومن خارج المؤسسة السياسية الرسمية لم يكن في خيال قحت ولا غير قحت. وهذه هي نكبة القحاتة أمام الميثاق الثوري.

– الملتقى السوداني للّسانيات

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.3 / 5. Total : 8

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. تحليل عميق وتعريف دقيق لهؤلاء القوم الذين اصبحوا يتدافعون علي المنابر والاستديوهات الاعلامية . الغالبية منهم لم يقرأ الميثاق الثوري وليس لهم المام بكيفية إنتاجه،
    لك التحية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *