منتصر عبد الماجد
‫الرئيسية‬ مقالات لا نستثني أحدا… مسؤولية الأزمة الوطنية (1)
مقالات - 20 نوفمبر 2022, 15:59

لا نستثني أحدا… مسؤولية الأزمة الوطنية (1)

بقلم: منتصر عبد الماجد

أصنف حالتنا الراهنة بالأزمة الوطنية ال”وجودية”. ويجب علينا ألا نركن إلى تعريف النخب المقلل لها عمدا بأنها أزمة سياسية بهدف الهروب “كدأبها” من تحمل المسؤولية وعدم الإقرار بالأخطاء وإنكار فريضة النقد الذاتي الذي جعل أعمار السودانيين يحسب بعدد النكبات، فنقول هذا جيل أكتوبر وهذا جيل أبريل وهنا جيل ديسمبر.. وبالتمعن في واقع أزمتنا الوطنية الراهنة علينا الإقرار بأنه ليس إلا امتداد لخيبات متواصلة!!  في الوقت الذي يعلن فيه الانقلابيون فشل انقلابهم ويعجزون لمدة أكثر من عام عن تكوين حكومة لتصريف شؤون البلاد… نشاهد قادة الحرية والتغيير يهرولون نحو مشروع تسوية، ضاربين بعرض الحائط شعارات الشارع الثلاثة ومتجاهلين لنداءات العقلاء بالتمهل لإعادة ترتيب الأوراق للوصول لتسوية لا تطفف موازين القوى التي ترجح انتصار الثورة.فيما ينشط الجذريون لهدم المعبد على رؤوس الجميع دون أن يقدموا بديلا مؤسسا على قراءة علمية عقلانية لما يجري.. مغالطين منهجهم بطرح حل إصلاحي بادعاء راديكالي وعقلية دوغمائية مختلطة بمفاهيم حرفية سلفية تعطل إبداع ميكانزيمات الصراع الماركسي وتضع المتاريس في خط سير قطار الثورة..

تربك هذه الصراعات السياسية غير المسؤولة المشهد الثوري بعواصف سوداء تحجب الرؤية عن طريق انتصار الثورة، وتأسر عتمتها خطاب الحركة السياسية بشكل غير مباشر لصالح خطاب التيارات الدينية حليفة النظام البائد، فنلاحظ استعارة الحرية والتغيير للسان حلفائها في قطار التسوية المؤتمر الشعبي وأنصار السنة. وعلى الضفة الأخرى لا تكاد تستبين إلا خيطا رفيعا لما يفرق بين خطاب الفلول وخطاب الجذريين – متحدا الهدف – لحد تشابه البقر على المتابع الذي سيعلم مصدر الخطاب بالتوقيع المزذيل تحته. وحار دليل المكونات السياسية ولم تجد سوى شيوخ الطرق الصوفية للبحث عن دواء يداوي عجزهم السياسي المستفحل، كأن الجامعات لم تدرس علوم سياسة واجتماع!

وتكتمل حلقة بؤس أزمتنا الوطنية عند النظر لحال لمعسكر الانقلاب بمن خلفه جيش “مختطف” ومليشيات “إرهابية”، وقطعان فلول وإسلاميويين “متشطية”، حيث يعكس عجزهم الكامل بعد أكثر من عام عن الوصول إلى مسؤولية وطنية، كما لم تهديهم الأكمة لفطرة إنسانية متعافية توقف القتل والانتهاكات، ويطول البحث في جذور هذا العجز كقضية لها عوامل معقدة تعود لتسييس القوات المسلحة خلال ثلاثة عقود عجاف من حكم الإسلاميين إضافة إلى معضلة مزمنة منذ تصميم المستعمر لعقيدة قوات دفاع السودان على أن عدوها اللدود الشعب السوداني ونضاله لنيل حريته. ولترسيخ هده العقيدة جعل المستعمر هذه القوات الأعلى في الامتيازات والمرتبة من عامة الشعب مكافئة لمن ينتسب لحماية المحتل.. ولم تتغير هذه العقيدة الاستعمارية الفاسدة بعد الاستقلال، وهذا ما قد يفسر استرخاص منسوبي هذه القوات لدماء المواطنين وإساءتهم للقانون ويرون أنهم فوقه وأن من حقهم الاستئثار بأموال البلاد ويوقنون داخل أنفسهم أنهم وكيل المحتل والورثاء الشرعيين لسلطة المحتل.

وبقراءة تاريخنا المرير، يتضح أن ثالوث الأزمة الوطنية لم يكن يوما ذلك المحظوظ الذي يرى العبرة في الآخرين، بل ظل هو التعيس والعبرة ذاتها.. لكنه لم يتعظ قط، وظل يكرر ذات أخطاء والقفز في ظلام المجهول. ودفع تكرار هذه الأخطاء من هذا الثالوث التعيس السودانيين لاعتزاله وما يفعل. واعتكفوا بمحراب التغيير تحفه أروح الشهداء مستعصمين بجيل الثورة وتراتيل آمال الخلاص. ولن نتناول الطرف الأضعف في المعادلة السياسية الآنية – فلول الحركة الإسلاموية – لأن المداد الطاهر يعف أن يكتب عنهم حرفا يزيد توتر القارئ بجانب ثقلهم الصفري في موازين قوى اليوم بعد أن لفظهم الشعب وتحولوا إلى عصابات ترهب الأبرياء بالسلاح المنهوب من الدولة وباتوا (كلباً أجرب) لفظه الشرفاء عقابا على جرمهم المشهود في ضياع الوطن وانتهاك حرماته.

يعلم من سيوقع باسم السودانيين على بنود  التسوية المرتقبة أن موقف الشعب منها “أذان يوم الحج الأكبر وبراءة الله ورسوله من المشركين”، كما يعلم يقينا أن السودانيين يمكن أن يتجرعوا تسوية دون سقفهم كسم زعاف ويرتضوها أن كانت روح بنودها لا تختزل القوات المسلحة في شخوص سفاحي اللجنة الأمنية وتنص بوضوح على إبعاد البرهان والانقلابيين من قيادة الجيش ويتم تغييرها حسب ما يتقضى القانون وتحجب بنودها كل من شارك ودبر وساهم في الانقلاب على الوثيقة الدستورية من المشهد نهائيا ولو بخروج آمن من البلاد يشرط عدم إسقاط  بنود المحاسبة على الجرائم .ومن واجبنا أن نذكر الحرية والتغيير من قبل أن ينبعث أشقاها لعقر الثورة  بالتوقيع علي هذه التسوية بالهتاف المحبب للثوار الجيش ما جيش برهان الجيش جيش السودان .وان نشدد علي قادة قوى الحرية كفوا عن مكافأة القتلة على سفك دماء الأبرياء فإن الخالق عز وجل قرن  القصاص بالحياة.

اختارت قوى الحرية والتغيير أن تواصل سيرها حاملة ذات الأخطاء، وارتضت طوعا دستور لجنة المحاميين الذي عند مقارنته بالوثيقة الدستورية تجدها حفل شاي يحوي نصيب أوفر عافه الانقلابيون من فتات كيكية السلطة.. لكن قيادة قوى الحرية تصبو لتسوية تضمن لها فقط نصيب من السلطة وتغض النظر عن عدالة بنود التسوية. وذلك يجعلنا نتساءل لماذا إذن رفضوا اتفاق رئيس وزرائهم عبد الله حمدوك مع سلطة الانقلاب بشروطه الأفضل نسبيا من الاتفاق الإطاري المطروح؟ ولن نجد إجابة للأسف سوى التكالب على السلطة وإن كانت على دماء الشهداء وتطفيف موازين القوى المائلة لصالح الثورة لعدم إيمانهم لحظة بمطالب السودانيين وطفرهم بفعل الشارع الثوري الذي يعجزون عن تحريكه لصالح أهدافهم، لكنه ظل يتحرك بأمر الثوار لصالح قضايا الحرية والسلام العدالة والقصاص وعزل التيارات الدينية.

وننضح قادة الحرية والتعيير أن يعرضوا عن هذه التسوية. فإذا كان الهدف منها استقرار الأوضاع فإنها ستولد حكومة ضعيفة عطفا على بنود هذا الاتفاق وستكون كاللقيط فاقدة للسند الشعبي (قد تجد الدعم الاقتصادي وعلاقات المجتمع الدولي الباحث عن مخرج أخلاقي) لكنها في الحقيقة تمثل دولة الظلم التي لا تقدس سيادة القانون ومبادئ العدل والمحاسبة الفاقدة لعمودها الفقري وإيمان المواطن بقدسية العدل حجز زاوية عقدها الاجتماعي الذي يدفع المواطن للدفاع عن الحكم.

وعلى هوى قادتها نحاول الآن قوى الحرية والتغيير أن ترسم مستقبل مصير السودان “دون تفويض السودانيين “، بدليل الأعداد الضئيلة التي استجابت لما أعلنت من مواكب جماهيرية وأيضا يدعم دليلنا هتافات الثوار الغاضبة عليها. ويتمظهر عدم التفويض هذا في انكشاف سوءات قادة  الحرية وهم عراة على طاولة المفاوضات من السند شعبي والهيئات الاستشارية إلى يمكن أن تساهم  وتقدم  دعما في النواحي القانونية وتكتيكات المناورة واتخاذ القرار والدراسة النفسية للانقلابيين بعد أن هزمهم الشعب في الشوارع النازفة باسلة ودماء، ويعوض قادة الحرية غطاء عوراتهم بعدم الشفافية، والتكتم بإخفاء ما يدور داخل الغرف التفاوضية المغلقة، ما يشير لتنازلهم عن ملفات مطالب الثورة الجوهرية، كملف العدالة الذي لا يملك فرد أو كيان التنازل أو مجرد التعديل فيه كمطلب أساسي للثورة والضامن للسلام القومي والنسيج الاجتماعي .

ولا نجد سببا يفسر إصرار قادة قوى الحرية والتغيير المستمر على مكافأة الانقلابيين على القتل !! ومنحهم جوائز العفو ثم تتبعها الشرعنة وتسنم الدولة والتاريخ يشهد بتلك المكافآت فحين قتلت اللجنة الأمنية السودانيين خلال ثورة 2019 عفا قادة الحرية التعيير ومنحوا القتلة شرعية بمحاورتهم, واعترفهم  بحميدتي وميلشياته شريكا في السلطة.. ثم استمرا القتلة في قتل الثوار وكانت مجزرة فض الاعتصام، فنالوا العفو، ومنحوا غنيمة رمز سيادة الثورة والضحايا.. والآن يقتلون في أولادنا وبناتنا وينتظرون مكافأة أعظم لقتلهم … ولا ندري أي منطق يقنع قادة الحرية والتغيير بأن الانقلابيين قد حلت عليهم بركات السماء وآمنوا بالتخلي – ولو بقدر يسير – عن أحلام والد قائدهم بالاستجابة لمطالب السودانيين،والكف عن قتل أبنائهم واستحياء نسائهم. فالإيمان يصدقه العمل. ونرى أعمال الانقلابيين يوميا بأم أعيننا..  ما زالوا يقتلون في الثوار، ويرتكبون بحقهم الانتهاكات المروعة … وما زالوا يمقتون الثوار ويوادون ويمكنون الفلول من مفاصل الدولة، وقادة كتائب الظل طلقاء يهددون الثوار علانية ويدبرون في الخفاء …ومازالت كذبة شيخ الفلول اذهب للقصر رئيسا وسأذهب للسجن حبيسا معاصرة وتدنس أخلاقيات شأننا السياسي.
آن الأوان لتدرك قوى الحرية والتغيير أن السودانيين ليسوا ضد تسوية عادلة. وذلك ليس بالتمني فقط، ولكن بحكم موازين القوى التي فرضتها الثورة وحرمانها للانقلابيين الشرعية بحيث لم يستطيعوا إعلان حكومة وأجبرتهم على البحث عن تسوية كمخرج يضمن سلامتهم من عقوبة انتهاكاتهم البشعة.

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 4

كن أول من يقيم هذا المقال