‫الرئيسية‬ مقالات آراء التسويّة السياسيّة “political settlement ” .. توطئة وتحليل واستطراد (1)
آراء - مقالات - 18 نوفمبر 2022, 5:19

التسويّة السياسيّة “political settlement ” .. توطئة وتحليل واستطراد (1)

عبد الجليل سليمان

بمعنىً ما، يُمكننا القول إنّ التسويّة السياسيّة “political settlement “، تعني صياغة فهم مشترك بين النخب السياسية حيث يتمكنون من خلالها من خدمة مصالحهم أو معتقداتهم عبر الإذعان لإطار عمل يديرون بموجبه السلطة السياسية. ويشير مصطلح “التسوية السياسية” كذلك؛ إلى توازن أو توزيع السلطة بين الفئات الاجتماعية والطبقات الاجتماعية المتنافسة،
في كثير من الأحيان؛ يُمكن أنْ تكون التسويات السياسية العامل الأساسي في تحديد نجاح أو فشل جهود بناء الدولة وترسيخ السلام، إلاّ أن مثل هذه التسويات التي تٌبرم في دولٍ هشة ومتأثرة بالصراعات، كالسودان؛ على سيل المثال؛ غالباً ما تكون إقصائية وغير مستقرة، وهذا ما حدث في التسوية الأولى بين قوى إعلان الحرية والتغيير واللجنة الأمنية لنظام البشير “المكون العسكري” حيث تم استبعاد طيفاً واسعاً من قوى الثورة الحيّة، وتجاوز الحركات المسلحة وترحيلها إلى اتفاقية جوبا للسلام التي كانت بمثابة تسوية أعلى مما تم إقرارها بين “قحت – المركزي” واللجنة الأمنية في ما سُمّي حينها بالوثيقة الدستورية التي أُزيحت إلى الخلف بوثيقة جديدة متمثلة في اتفاقية جوبا “أساس التسوية الجديدة”، وبالتالي تم الإطاحة عملياً بالوثيقة الدستورية، قبل أن يُعلنُ عن موتها بانقلاب المكوّن العسكري بقيادة البرهان/حميدتي، أكتوبر 2021.

اتفاق جوبا يطيح بالوثيقة الدستورية

إذاً، أُطيح بالتسوية السياسية الأولى، من خلال اتفاقية جوبا للسلام التي ساندت أطرافها الانقلاب بل خططت له وروجت له سياسياً ودعمته جماهيرياً بما عُرف حينها باعتصام القصر الذي طالب المكون العسكري/ اللجنة الأمنية بوضوح تام بالإسراع في إذاعة البيان الانقلابي، جاء ذلك على لسان أحد قادة الجبهة الثورية التي وقعت على “جوبا”، حين أطلق التوم هجو عبارته الشهيرة ” الليلة ما بنرجع إلاّ البيان يطلع”، والبيان المعني هنا هو “بيان الانقلاب” على الوثيقة الدستورية الحاكمة للتسوية السياسية الأولى.

الآن، تواتر الاخبار باتفاق إطاري تمهيداً لتسوية جديدة، بين الانقلابيين والمُنقلب عليهم، تم الشروع فيها منذ وقت مبكر باجتماعات سرية وعلنية وتوجت بمسودة مشروع الدستور الانتقالي الذي أعدته اللجنة التسييرية لنقابة المحامين المكون من 72 مادة و12 باب، ووافق عليه المكون العسكري مع بعض التحفظات، فيما عارضته أطراف اتفاقية جوبا والحزب الشيوعي وأطيافاً مقدرة من لجان المقاومة ومن يتبنون ما يعرف بـ” الحل الجذري” من رافعي اللاءات الثلاثة ” لا تفاوض، لا شراكة، لا تسوية”، فضلاً عن الإسلامويين من بقايا النظام السابق “الفلول”، ومفرزة خارجة عن عباءة الزعيم القبلي البارز في شرق السودان ” محمد الأمين تِرق”، وخلافها.

استعادة الرعونة

وهكذا تبدو التسوية المحتملة وكأنها استعادة شديدة الرعونة للأزمة بترحيل حلفاء الانقلاب إلى المعارضة وجلب المُنقلب عليهم إلى حلفٍ جديد مع الانقلابيين، أي عودة الأوضاع إلى ما كانت عليها في حكومة عبد الله حمدوك الأولى – قبيل وصول الموقعين على اتفاقية جوبا – وهذا غير مقبول بالنسبة لهؤلاء.

بطبيعة الحال، فإن ما تسرب من إعطاء “مركزية قحت” صك غفران (حصانة) للمكون العسكري من المحاسبة على جرمه المشهود في ما عُرف بمجزرة فض الاعتصام، وما تلي ذلك من تقتيل وإراقة دماء للمتظاهرين السلميين وما أزهق من أرواح وأريق من دماء ودُمر وحُرق ونُهِب من ممتلكات في الصراعات القبلية المفتعلة والمخطط لها والممولة فيما كان المكون العسكري مسؤولاً عن حفظ الأمن ينظر إلى تلك المشهديات الدموية المقيتة، دون أن يحرك ساكناً وكأنه والغ فيها.

لذلك، فكأن التسوية المقبلة، تخرج لسانها لكل هذه الدماء والأرواح وتسخر من أُسر الشهداء ومن الذين هُجروا من ديارهم قسراً وممن أُحرقت منازلهم ونهبت ممتلكاتهم في وضح النهار.
صحيح إن مفهوم التسوية يقوم على التنازلات، لكنه لا يُقر إعفاء المجرمين عن جرائمهم خاصةَ إذا كانت مروِّعة وبهذه البشاعة!

إن مثل عقد التسوية المحتمل إبرامها خلال الأيام المقبلة، لا يتسق حتى مع ذهب إليه برزيفورسكي في نظريته عن “ميثاق الهيمنة” (Przeworski ، 1991: 23)، عندما تحدث عن التسوية باعتبارها توازن المساومة بين القوى السياسية. في واقع هش، فيما جادل هوبز أن مثل هذا الاتفاقيات التسووية الأحادية في المراحل الانتقالية ما هي إلا أُطر تعاونية قابلة للانهيار في اي لحظة لكون الدولة نفسها (المكون العسكري في احالة السودانية الراهنة) تلعب زوراً دور الوكيل لقطاعات واسعة من الشعب وتفرض هيمنتها – بالتالي – على الائتلافات التي تتشكل للتوقيع على ميثاق التسوية وتضمن امتثالها وخضوعها.

تسوية أم تحالف سياسي؟

بالفعل – هذا ما حدث في التسويتين الأولى والثانية بين المكون العسكري (ممثل دولة الإسلاموين) مع قوى الحرية والتغيير وجماعات جوبا.
وهنا، تجدّر الإشارة إلى أن التسويات سالفة الإشارة اتخذت صيغ “التحالفات السياسية” فبدت وكأنها صفقات ضيقة أو قسرية تفرضها أنظمة استبدادية أو قوى مهيمنة (الجيش – الدعم السريع)، فتُضطر لأطراف الضعيفة إلى تقديم تنازلات في أمور مركزية ومحورية من أجل الحصول على مكاسب سريعة في ظل اختلال ميزان القوى.

بالنسبة لي، فإن أية تسوية يمكن أن يُكتب لها نجاح نسبي، ينبغي أن تتسم بالشمولية ليس فقط في الكيانات المنضوية تحتها، وإنما أيضاً في القضايا والموضوعات التي تتضمنها، وهنا لا نعني بالشمولية إجماع طاغٍ ورضا جمعي تام، فهذا لن يكون متاحاً أصلاً.

من يريد أن يتعرف على مدى شمولية (بالمفهوم الذي وضحناه أعلاه) أية تسوية سياسية، عليه بساطة شديدة ملاحظة مدى المشاركة في المفاوضات بشأنها، ولاحقاً في التعيينات في مكاتب الدولة. وكيفية توزيع الحقوق والاستحقاقات بين مجموعات وفئات في المجتمع الذي تقوم عليه التسوية.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال