‫الرئيسية‬ مقالات آراء تجربتي في تجمع المهنيين السودانيين
آراء - مقالات - 13 نوفمبر 2022, 6:12

تجربتي في تجمع المهنيين السودانيين

علاء الدين محمود

كنت من أكثر الذين انتقدوا تجمع المهنيين، بل وما قبل الثورة ما كنت أرى فيه إلا تبعا للقوى السياسية، وحتى عندما كنت ضمن مجلسه الموقر وضمن قيادة مكتبه الإعلامي لم ينقطع نقدي له، لأن العنف في النقد هي عملية تريد أن تقتلع اقتلاعا أي موقف حزبي يتسرب إلى مفاصل الجسم المهني الذي وجد نفسه يحمل حمولة سياسية كبيرة.
إن الذين يخرجون عن جسم ما، لا يبصقون عليه، بل عليهم كمهمة مقدمة أن ينتقدوا أنفسهم هم، ثم الشروع في نقد ذلك الجسم، لأن هذه المنصة التنظيمية تتكون من أجسام وأفراد، هي حاصل جمع أنت وهي وهو، بالتالي عندما تكون هنالك أخطاء فإنك شريك فيها، وعليك أن توضح تلك الأخطاء التي وقع فيها الجسم وموقفك أنت ودورك في تلك الأخطاء، لا أنت تطلب النجاة الشخصية ثم تمد لسانك للمركب التي تخالها تغرق.

إلى جانب الحمل السياسي الذي لم يكن سهلا، كان التجمع مواجه بالمشاكل الداخلية الصعبة، كان على رأسها انفراد مجموعة معينة بقيادة سكرتاريته، لا يرجعون إلى مجلسه إلا قليلا، تكونت حلقة ضيقة أصبحت هي القائد، أختزل فيها التجمع تماما، وهي المجموعة التي وقعت على الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية واستجابت لصياح البرهان كالمجنون برفع المتاريس، وأمام هذا الوضع بدأ البعض يشكو، وكنا في شبكة الصحفيين السودانيين، قد رفعنا مذكرة تطالب بتعديل الوضع، وانتخاب قيادة جديدة، وابعاد بعض الأشخاص عن موقع القيادة، ورفضنا في هذا السياق الشراكة والوثيقة الدستورية، ولنا في ذلك الشأن بيانات تبقى للتاريخ، وحجة للذين قد ينسون، إلى جانب بعض الأجسام، فكان أن تحرك الجميع في اتجاه انتخابات وافقوا جميعا على ضرورة قيامها وارتضوا بكل تفاصيلها وخطواتها، ورفض البعض نتيجتها فخرجوا عن التجمع، فكان لابد للأجسام التي ثارت من أجل تعديل الوضع أن تبقى، ذلك ما يفرضه الواجب الأخلاقي والثوري.

كان من المهم أن يسير التجمع في اتجاه العمل النقابي، كانت مهمة ملحة، رغم الصعوبات والمتاريس التي وضعت، والمتمثلة في قيام اجسام لا علاقة لها بالعملية النضالية التي سبقت ثورة ديسمبر المجيدة، جاءت لتزاحم بالمناكب والأكتاف لتكون حضورا انتهازيا، وذلك الأمر ما كان ليمنع التجمع في الاستمرار في العمل، وما كان ليكون وصيا على الأجسام، فهي المطالبة بقيام النقابات، وعلى الرغم من ذلك فقد اتجهت معظم الأجسام نحو تأسيس اللجان التمهيدية، وفي الفترة السابقة تكونت الكثير من اللجان ومنها ما للصحفيين، وهي العملية التي شارك فيها الكثيرين داخل الوسط الصحفي بأجسام مختلفة، وشرعت شبكة الصحفيين نفسها في قيام مؤتمرها العام من أجل اختيار قيادة جديدة من صلب عضويتها والمؤمنيين بمبادئها، وهنالك لجان متشكلة لهذا الغرض تجتمع وتقرر.

وعلى التجمع بصورة عامة أن يقييم عمله علانية للناس ويكون صيغة ضمن صيغ موجودة في ساحة الفعل الثوري، لال قائدا لها، فالواقع الآن قد تغيير تماما، فقد برزت لجان المقاومة بصورة عملية تؤسس لأمرها قاعديا تتولى االقيادة فعليا، وفي الانتظار الإعلان عن قيام النقابات، أو اللجان التمهيدية على الأقل لتشارك في ذلك الأمر، نقابات العمال ونقابات المهنيين، والزراع والحرفيين، وأصحاب الأعمال الحرة والمستقلة، وتجمع الأجسام المطلبية والمهنيين، فتلك هي قيادة الثورة.

وعلى الذين كانوا ضمن المكاتب المتخصصة للعمل النقابي للتجمع، عليهم أن يوضحوا الكثير، وأن ينتقدوا أنفسهم أولا في حالة التقصير، لا أن يمارسوا العويل العلاني و”يتخامشوا قدح الرماد”، معلنين موت التجمع، فلا أحد يستفيد من خبر نعي كهذا أثناء المعركة، عليهم أن يسألوا أنفسهم ماذا قدموا من نقاشات لأجل النقابات، بل وكيف تجري نقاشات جادة والبعض يتغيب عن الاجتماعات؟!!!

إن مهمة بناء النقابات لم تنته، بل هي عملية مستمرة، فيها مد وجزر، وكنت شخصيا ضمن الرافضين لانتظار قانون بل على الجميع أن يتجه نحو بناء النقابات مباشرة، والاستفادة من تجارب النقابات المستقلة، ولان هذه العملية لم تنته فأنا أمام حيرة من تلك الأصوات التي تتأسى على عدم قيام النقابات، تلك التي لا تطيق انتظارا ولا صبرا مع العمل الدؤوب، وأرجوا أن لا تكون المواجد الشخصية من قبل البعض هي دافع لإطلاق قنابل حارقة تأتي على ثياب وجسد مطلقها قبل الآخرين.

قبل فترة بسيطة خرج فريق من المجموعة التي خرجت عن التجمع في اعقاب الانتخابات، تلك التي كانت تتمسك باسم التجمع، خرجت لتطالب بوحدته، وهي العملية التي لم تجد صدى كبيرا رغم المناشدة العاطفية الحزينة لطه عثمان من على منبر تلفزيون السودان، كان طه يتحدث عن بدايات التجمع والروح الرفاقية، لم يشاء أن يذكر أسماء الأجسام المكونة، بل قام بذكر أشخاص بعينهم، حتى يستميلهم، بخطاب عاطفي رقيق “كان معنا فلان ويا حليل علان”، وهو الخطاب الذي أثر في البعض فعلا، وعندما التقى الجمعان فاضت الأعين بالدموع حد الجواعر “حليل زمن كنا”.

وبعض قليل يئست تلك المجموعة من الوحدة على أساس التجمع، فماذا كان عليها أن تفعل؟، قامت بالعمل عبر اصدار بيانات تحمل توقيعات الأجسام المهنية التي معهم، وتخلوا عن اسم التجمع، وحتى يتم ذلك الأمر بصورة حاسمة، أعلنوا وفاة التجمع من جانبهم، وهو الأمر الذي تبعهم فيه البعض مرددين بموت التجمع هنا وهناك، حتى يتساوى الجميع في الفناء.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3.5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال