بروفيسور خلف الله بشارة
‫الرئيسية‬ مقالات فلنحتفل بتدشين ميثاق لجان المقاومة ولكن
مقالات - 9 أكتوبر 2022, 21:00

فلنحتفل بتدشين ميثاق لجان المقاومة ولكن

بروفيسور خلف الله بشارة
لمن قرأوا ميثاق لجان الخرطوم وميثاق لجان مدني، دمج الميثاقين يبدو كخلط الزيت بالماءِ. خرج ميثاق لجان مقاومة مدني مدججاً بقرأة الحزب الشيوعي للازمة السودانية منذ الاستقلال كاملة غير منقوصة. ولأن لجان المقاومة عينة تمثل المجتمع السوداني، فلا غرابة أن تضم شباب ينتمون للحزب الشيوعي وإن كُلِفوا بذلك، فهذه هي الخلفية التي يستندون عليها، خاصةً إذا كانوا في بدايات معرفتهم بكتابات الحزب الشيوعي. لكن هذا الطرح لا يمثل كل المفكرين السودانيين، الاشتراكيين منهم والاشتراكيين. كما أن غالبية شباب لجان المقاومة غير متحزبين. الاستبيان الاول (وربما الوحيد الي الان) يضع نسبة اللا متحزبين أكثر من ٩٥٪؜ (استبيان ميدان الاعتصام).

لذلك لم يكن غريبًا ان يحتج الكثيرون ويرفضون ان يكتب ميثاقهم فرد او افراد قلة بدون الرجوع للقواعد. أما ميثاق تأسيس سلطة الشعب فقد كُتب بمجهود اصيل من قواعد لجان مقاومة الخرطوم ويحوي في صفحاته ال ١٢ هياكل حكم دولة مدنية كاملة بلا تسوية او شراكة مع العسكر. ولكن اهم نقاط الخلاف ليست في هياكل الحكم او عدد مقاعد المجلس التشريعي او المفوضيات بل تكمن في الاقتصاد. منذ ايام حمدوك الأولي، تبلور الصراع بين موقفين حيال رفع الدعم وتعويم الجنيه.

خروج الحزب الشيوعي من قوي الحرية والتغيير في نوفمبر ٢٠٢٠ ومناداته بإسقاط حكومة حمدوك لم يكن بسبب القصاص او الشراكة مع العسكر بل كان بسبب هذا الاختلاف المبدئي وهو ما يفسر موقف الحزب الشيوعي الي يومنا هذا. الحزب الشيوعي يتهم أحزاب قوي الحرية والتغيير بأنها “تكتلت” عليه ودعمت سياسات حمدوك الاقتصادية وتخلت عما أُتُفِق عليه في برنامج قوي الحرية والتغيير الاسعافي. من ناحيتها، قوي الحرية والتغيير لا تزال تتهم الحزب الشيوعي بانه هو الذي تملص من البرنامج الاسعافي لان البرنامج وُضِع بوجود الحزب الشيوعي في التحالف وينص بالحرف على رفع الدعم وتعويم الجنيه. لكلِ جانبٍ مبرراته المنطقية ولا مجال لاتهام هذا او ذاك بخيانة الثورة والوطن.

وحقيقة الامر انه كان امامنا خياران، احلاهما مر. رغم قلة تواصل حكومة حمدوك الاولي مع الشارع، الا انها نجحت في كسب هذه المعركة السياسية بدليل صبر الشارع بما في ذلك لجان المقاومة على الضائقة المعيشية وساعدت في ذلك بعض الظواهر الإيجابية. مثلًا، دعم الوقود ادي (وبتواطؤ الاجهزة الأمنية) الي تهريبه الي الدول المجاورة وسائقي مركبات المواصلات كانوا يبيعون الوقود المدعوم للمهربين مما ادي لازمة مواصلات حادة. هذه انفرجت بسرعة بعد قرار رفع دعم الوقود الذي وفر للسودان ما يقارب ٢ مليار دولار سنويا. رفع الدعم وتعويم الجنيه أيضًا أهلوا السودان لوصول نقطة القرار في برنامج صندوق النقد والشروع في عفو ٦٠ مليار دولار من الديون وما تلا ذلك من استقرار سعر الصرف لقرابة ٨ شهور وتدفق تحويلات المغتربين بما يقارب ٤ مليار دولار سنويا.

كل ذلك رجح كفة حكومة حمدوك وقوي الحرية والتغيير في صراعها مع الحزب الشيوعي في الرأي العام الي ان قام انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. مواثيق لجان المقاومة كُتبت تحت ما تبقي من غبار تلك المعركة. منذ قيام ثورة ديسمبر المجيدة، طلبنا من لجان المقاومة الكثير ولم يخذلونا وها نحن نطلب منهم حل اختلاف عميق فشل خبراء المؤتمر الاقتصادي في حله. قد لا يكون ذلك في عقل حمدوك حين قال للجان المقاومة “ملكتم الحاضر ولا شك ان لكم كل المستقبل اذا توجتم هذا الحماس الثوري بالتوافق على برنامج للبناء والمشاركة”. بدون الخوض في التفاصيل ومحاولة حسم الصراع بين الحزب الشيوعي وقوي الحرية والتغيير، جاء ميثاق تأسيس سلطة الشعب متضمناً خطوط عريضة لبرنامج اقتصادي يوازن بين حل الضائقة المعيشية والتنمية وادارة الديون.

اما ميثاق لجان مدني فقد حاول حسم الصراع لصالح الحزب الشيوعي ونص على اعادة دعم السلع وتثبيت سعر الصرف والانسحاب من برنامج عفو الديون والغاء برنامج ثمرات (رغم انه منحة مخصصة لدعم الاسر). رغم التناقض بين الميثاقين، ضغط الجميع على لجان المقاومة لدمجهما. لكن، وكما كان متوقع، انحصرت هذه المحاولة على لصق المتناقضات جنبًا الي جنب.

خرج الميثاق النهائي ب ٤٠ صفحة تعج بمصطلحات يصعب فهمها للعامة وبنود في البرنامج الاقتصادي يستحيل تطبيق بعضها عملياً. الميثاق الان معروض للنقد والاضافة و الحذف ولكن يبدو ان الرجوع الي ميثاق لجان مقاومة الخرطوم كأساس هو الحل. هذا ليس انحياز للمركز على حساب الهامش او لهذه المدرسة من الاقتصاد فوق تلك ولكن لان ميثاق لجان الخرطوم كُتب من القواعد ويتفادى لحدٍ ما نقل هذا الصراع للجان المقاومة في هذه المرحلة. رغم ذلك فلنحتفل بتدشين الميثاق لأنه جهد جبار ومحاولة لوحدة لجان المقاومة في كل انحاء السودان.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.9 / 5. Total : 14

كن أول من يقيم هذا المقال