اماني عبيد
‫الرئيسية‬ ثقافة العلوم الاجتماعية وتحدي دراسة الانبعاث الصوفي
ثقافة - دراسات - 26 سبتمبر 2022, 10:20

العلوم الاجتماعية وتحدي دراسة الانبعاث الصوفي

د.أماني عبيد

(دكتوراة في العلوم السياسية وباحث مشارك في مركز السديج الفرنسي بالخرطوم)

سبتمبر 2022

تنويه: هذا المقال جزء من أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية/قسم الفكر الإسلامي بشعبة العلوم السياسية جامعة الخرطوم نلتها في العام 2009.

أود أن أشكر والدي د.عبيد الذي كنت أتحدث معه باستمرار خلال مصاحبتي له فترة الشلل التام لمدة أربعة عشر عاما قبل أن يتوفاه الله. أعتقد أنه وضع بصمته الأكاديمية في كتاباتي. كما أود أن أشكر أمي الأستاذة نفيسة سالم التي كانت دوما تشجعني على المضي قدما في رحلتي البحثية التي امتدت لأكثر من عشرين عاما. كما أخص بالشكر أخي أيمن الذى كان يبذل كل جهده من أجل إنجاز هذا العمل الأكاديمي الذي أعتقد أنه إضافة للدراسات السودانية. و أخص بشكل خاص الشكر للباحث الفرنسي في مركز السديج الفرنسي فرانسوا أيرتون الذي مدني بالكتابات الحديثة غير المتوفرة في مكتبة جامعة الخرطوم و المشرف د.عوض السيد الكرسني.

خلاصة: محور البحث هو دراسة تنامي الظاهرة الصوفية وسط الطبقة الوسطى السودانية وحالة البحث هي مركز الشيخ البرعي في شمال كردفان. حيث يعتبر الشيخ البرعي الشيخ السماني هو تمثيل للصوفية الجديدة التي تماذج بين التناول الشعبي للصوفية من كرامات و خلافه و بين تعاليم الاسلام التقليدية Orthodox Islam.

هذا البحث يهدف إلى دراسة ظاهرة تنامي الاعتقاد الصوفي في المدن  وسط الطبقة الوسطى السودانية و المعروفة بتوجهها العلماني فى الخمسينيات حتى سبعينيات وثمانينيات  القرن العشرين. هذه الظاهرة (أي تنامي الاعتقاد الصوفي وسط الطبقة الوسطى العلمانية نجدها  ظاهرة حديثة في مصر و المغرب وتركيا وأندونيسيا).

العلوم الاجتماعية وتحدي دراسة الانبعاث الإسلامي:

نجد أنه قبل نجاح الثورة الشيعية الإيرانية في العام 1979  كانت الدراسات العلمية  الاجتماعية في مجال الدراسات الإسلامية ضعيفة و قليلة جدا. كما وصفها برايان تيرنر كانت الدراسات نادرة و غير كافية و موغلة في التخصص. نجد أن الدراسات الإسلامية بعيدة عن الإبداع و بعيدة عن مواكبة التطور النظري في العلوم الاجتماعية في الغرب.

Bryan S.Turner, Weber and Islam: A Critical Study, Routledge and Kegan Paul, London and Boston, 1974, p. 1

هذا القصور في العلوم الاجتماعية في دراسة الظاهرة الاسلامية  نجده واضحا خصوصا تحت ظل العولمة التي أثرت في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية، حيث أصبح البحث العلمي المتعاظم و تبادل المعلومات متاحا في كل العالم. بسسبب العولمة و تسارع الاتصال أصبح التداخل  العالمى وثيقا حيث أن الخلافات المحلية في كل العالم تأخذ بعدا دوليا.

تحت ظل العولمة أصبح انسياب رأس المال والمعرفة والمعلومات والسلع الاستهلاكية بلا حدود. لذلك أصبجت العلوم الاجتماعية في تحدي مواكبة التطورات السريعة في العالم الإسلامي.  مثلا القاعدة و داعش كانا أكثر نموذج لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي من أجل التأثير على المجتمعات على مستوى العالم. تمثلان نموذج لما يمكن أن تفرزه ظاهرة العولمة على الصعيد الاجتماعي و السياسي. الأحياء الإسلامي المتزايد أصبح ملموسا بدخول الإسلام كمكون سياسي في الحياة اليومية لمعظم المجتمعات الإسلامية. في بلدان مثل السودان و تركيا و أندونيسيا تمثل هذا الانبعاث الإسلامي في التنامي المتزايد للتوجه نحو التصوف وسط الطبقة المتوسطة و التي كانت سمتها الغالبة أنها علمانية.

تحت ظل هذا الواقع – واقع العولمة- تقاعس نقد المنهج الاستشراقي الذي كان سائدا في السبعينيات ممثلا في كتابات أدوارد سعيد على أهميتها في فهم الواقع الجديد المتأثر بالعولمة. أصبحت هناك ضرورة لدراسة كتابات المستشرقين وترجمتها والرجوع إليها بعيدا عن الانغلاق الأيدولوجي و اللاهوتي. نجد أن محمد اركون يؤكد ضرورة دراسة الثورة التي أحدثها  بيير بوغدو Bier Bourdio و الان تورين Alan Turine و ميشيل فوكو Micheal Foucault في دراسة  تأريخ الأديان و الأفكار و أنه لابد من دراسة إسهامهم و ترجمته إلى العربية رغم أنهم مستشرقين.

Mohamed Arkoun, Al Quran min al Tafsir al Mawruth ila Tahlil al Khitab al Dini (The Quran: From the Traditional Interpretation to Analyzing Religious Discourse), Translated by Hashim Salih, Dar al Talia., Lebanon, 2001, p.8.

الباحث في دراسات الشرق الاوسط  يواجه بمعضلات فكرية مثل ما هي المفاهيم الأنسب لدراسة الظاهرة الدينية في المجتمعات المسلمة. هذه المعضلات تتمثل في صلاحية مفاهيم مثل الطبقة و الشريحة الاجتماعية  لتحليل المجتمعات المسلمة. (مثلا في السودان ليس هناك فرز طبقي مميز كبريطانيا مثلا في المعضلات النظرية لأي مدى إمكانية استخدام مفهوم الطبقة في المجتمعات الإسلامية يمثل معضلة).

الباحث في المجتمعات المسلمة يواجه بمعضلة صلاحية المفاهيم التي يستخدمها. مثلا يقول Geertz أن دراسة المجتماعت الإسلامية لا تكون بوصف الأفكار و المؤسسات بل بدراسة استمرارية أو عدم استمرارية هذه الأفكار أو تمثلها في دين محدد. يقول إنه لابد من التفريق بين المنحى الدين و المكون المجتمعي الذي يرتبط بهذا المنحى الديني.

لتطوير إطار نظري لدراسة الإسلام، يقول طلال أسد إن هناك مميزات لابد من اعتبارها وهي معضلات نظرية تواجه الباحث في دراسة المجتمعات الإسلامية. هذه المعضلات تتلخص في الآتي:

1-ليس هناك إطار نظري محدد لدراسة الإسلام.  

2-إن المجتمعات الإسلامية تحتوي على مكونات اجتماعية متناقضة كلها توصف أنها إسلامية. ( مثلا المجتمعات الشيعية و السنية معا).

3-إن الإسلام مكون جمعي تاريخي مميز و ينظم العلاقات الاجتماعية المتناقضة ( معضلة استمراية الظاهرة الاسلامية).  

Talal Asad, The Idea of an Anthropology of Islam, Centre for Contemporary Arab Studies, Georgetown University, Occasional Papers series, March 1986, p.1.

في المساهمة القيمة لماكسيم رودنسون    Maxime Rodinson      

انتبه  للتداخل بين الديني و السياسي في المجتمعات المسلمة خلافا للمسيحية و البوذية. حيث أن الفرد لا يطلب منه التفكير في الخلاص الذي يمثله الدين فقط ولكن أن ينعكس هذا الدين في الحياة العامة. الدافع السياسي والمجتمعي موجود منذ البداية في المجتمعات المسلمة.  

الدين الإسلامي فيه معضلة و هي أن النص الديني (القرآن و السنة النبوية) تمثلان إطار قانوني و سياسي.  و به مفهوم جامع هو الأمة. هذه المعضلة مثلت تحدياً للمجتمعات المسلمة منذ وفاة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم). نجد تنامي مختلف الأشكال للانبعاث الديني في مختلف الدول الإسلامية بأشكال مختلفة.  في دول مثل السودان وأفغانستان وإيران أإستطاعت حركات سياسية إسلامية أن تسيطر على الدولة. وفي دول أخرى كالجزائر و مصر وتونس وتركيا نجد تنامى لقوى مدنية عديدة ومنظمات مجتمعية تجعل الإسلام شعار لها و تهدد الشرعية السياسية. وفي دول أخرى أكثر استقرارا مثل المغرب وباكستان أندونيسا نجد أن هناك منحى متزايداً لإدخال الدين في الحياة السياسية. إذن هناك تحد متعاظم للدراسات الاجتماعية في دراسة هذه الظواهر المختلفة “وصول إسلاميين للسيطرة على الدولة, ظهور حركات إسلامية موغلة فى التطرف و العنف مثل داعش و القاعدة و الشباب إلخ تعيد تفسير النص الديني من أجل تبرير الإرهاب، تنامي منظمات مدنية مجتمعية تعتبر نفسها ممثلة للإسلام و المنحى الجديد نسبيا وسط الطبقة الوسطى للتصوف”.

يقول فريد هاليداي إن الاسلام لا يمكن أن يدرس كوحدة بل يجب ان يحلل و يفكك مجتمعيا لدراسة الظواهر الإسلامية كل على حده.

.” .Islam. as a social and political system-it should quickly

become evident that I do not believe there is much to be gained

by regarding the many socio-political realities that the term

applies to as part of single phenomenon. As an object of social

and political analysis, or as a force in international affairs, there

is little that can be explained, praised or denounced by reference

to a unitary .Islam.. What is needed is a full consideration of

particular societies and political systems and of the uses, variant

across time and place, to which Islamic symbols and doctrines

are put. .Islam. as an object of study must first be dissolved in

order to be made concrete in the study of particular events, times

and places..”

Fred Halliday, Islam and The Myth of Confrontation: Religion and Politics in The Middle East, I.B.Tauris, London, 1996, p.2.

تنقسم الدراسات الاجتماعية للظاهرة الدينية الاسلامية إلى:

1- دراسات وصفية مثل:

They include writings of Reynold A. Nicholson (1916) Akbar Sid

Ahmed and David Hart (1984), Klaus Fredinand (1988), Seyyed Hossein Nasr (1991), O.Fahey (1991), Micheal Gilsenan (1992), Julian Johansen (1996), Antony Black (2001), Chandra Muzaffar (2002), Jonathan P.Berkey (2003),Marck J. Sedgwich (2003) and Richard Mc Gregor (2004),

السمة العامة لهذه الكتابات هى:

1-تركز على دراسة النص دون إرجاعه للتركيبة الاجتماعية.

2-تدرس الظواهر الإسلامية  التاريخية دون إرجاعها للصياغ الاجتماعي الاقتصادي.

3-وصف وظائف المؤسسات والظواهر الإسلامية مثل الطرق الصوفية.

4-استخدام نموذج في البحث في الطرق الصوفية يركز على التضاد بين العلماء و الصوفية.  

2- هنالك الدراسات التحليلية مثل:

They include writings of Karl Marx and Fredrick Engles (1955) Maxim Rodinson (1966 and 1981), (1981), Talal Asad (1986), Mohamed Arkoun (1987, 2000), David McLellan (1987), Sami Zubaida (1989), Mohamed Abid al Gabiri (1991), Nasr Hamid Abu Zaid (1999), Gabriel Warburg (1978,1992,2003), John O. Hunwick (1992), Burhan Qiloun (1993), Fred Halliday (1996), Clifford Geertz

(1968), Bryan Turner (1978,1984, 2003), Idris Salim (1991).

تتميز هذه الكتبات بالآتي:

1- تركز جل هذه الكتابات على أن الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالإسلام لا يمكن أن تدرس خارج التركيبة الاجتماعية الاقتصادية.
2- تمفصل periodization التأريخ الإسلامي بناء على التركيبة الاقتصادية.
3- الإسلام جزء من التركيبة العلوية  super-structure وهو إنعكاس للتركيبة الاجتماعية.
4- الإسلام يشتمل على عناصر اجتماعية متناقضة ولكنها توصف أنها إسلامية.
5- هذه الدراسات تركز على التأثير الخارجي على المجتمعات الإسلامية مثل تجربة الاستعمار
6- الإسلام يوجد في الشرق الأوسط حيث أن تطور الملكية الفردية تختلف عنها في أوروبا.

إذن، نخلص إلى أن الدراسات الاجتماعية تواجه تحدياً حقيقياً في دراسة الظواهر الإسلامية المختلفة و المرتبطة بتنامي ظاهرة العولمة وإن الدراسات الاجتماعية في مجال الدراسات الإسلامية بها قصور حقيقي في قلة البحوث و قلة التناول البحثي و ضعف مقدرة هذه البحوث على فهم و تناول الظواهر الجتماعية و السياسية المرتبطة بالإسلام.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال