نزار مكي
‫الرئيسية‬ مقالات مسرح العبث السياسي وفخ رد الفعل
مقالات - 21 سبتمبر 2022, 0:21

مسرح العبث السياسي وفخ رد الفعل

انقلاب يترنح ويفشل في صناعة حاضنة سياسية ويغوص في نفايات الإنقاذ ويحتضن لوردات الحرب الذين أتت بهم كارثة جوبا بعد أن تجرعوا الهزائم ونضبت مصادر التمويل ورغم ممارسة كل سلوكيات الإنقاذ من قمع وقتل ومحاولة المقايضة بالأمن ورغم تكثيف نشاطات الدجاج الإلكتروني ها هو يكاد ان يكمل العام ولا تلوح في أفقه بارقة لفرض واقعه وبسط سيطرة صانعيه وتحقيق مصالح كتائب الانتهازية.
الحلف الانقلابي آخذ في التآكل وتتعدد مظاهر ذلك، فبينما يظل البرهان يردد مطالبته للقوى المدنية بالتوافق يخرج نائبه و شريكه بتصريحات يسارع المستشار الإعلامي للبرهان لإطلاق ما يختلف معها، وليس ذلك بمستغرب، فالأجندة لكل منهما مختلفة وإن كان الانقلاب هو المشترك الوحيد بينهما لتحقيق تلك الأجندة مع حقيقة اختلاف تركيبة وخلفية كل منهما، فالبرهان شرع في تنفيذ إعادة زرع الإنقاذيين في مفاصل الدولة مع إعادة ما نهبته القطط السمان وفي الجانب الآخر يعلم شريكه جيدا أن الإنقاذيين لن يغفروا له خروجه عن الدور الذي رسمه له البشير (حمايتي)، كما أنه و بعد أن تمدد في المساحات التي وفرتها له قحت كبرت طموحاته ليرسخ مع الوجود العسكري والمالي وجودا سياسيا عابرا للتغيرات، فهو مع الانقلاب، و يجهز نفسه للانتخابات ليحمي وجوده في كل الأحوال.
الإنقاذيون الذين هللوا وكبروا وناصروا البرهان ظهر تململهم، فقد كانوا يريدون خطوات سريعة تعيدهم وفي ذات الوقت تكسر شوكة الثورة، ولا يهمم إن عادت البلاد إلى العزلة وتفاقمت الأزمات لترفع الشعارات المعتادة، ولكن فات عليهم أن الرجل يخضع لمؤثرات أخرى لها قوتها، فهو قد أوقع نفسه في خضم تقاطعات مصالح إقليمية ودولية لها حساباتها، كما أنه يعرف أن ملفه يجعله يفكر كثيرا في سلامته الشخصية وضمان خروج آمن سيصعب أكثر إذا هو مضى كما يريدون.
حركات كارثة جوبا لم تتردد في إظهار أنها تسعى إلى السلطة كهدف نهائي وأن سقف طموحاتها كراسي سلطة في الخرطوم، فهي لم تقدم المطلوب تجاه مواطنين ادعت تمثيلهم، بل زادت أوضاعهم سوءا وتفجرت الألغام في أكثر من مكان وصارت الصراعات القبلية تهدر الأرواح ولا يشعر المواطن الذي يتحدثون باسمه بأي تغيير للأفضل في حياته. ومع جفاف خزينة الدولة ونفاذ بضاعتهم سوء أداء من تقلدوا منهم المناصب، ويكفي وزير المالية نموذجا فاضحا وهو يلوذ بالمبررات لمحاولة تجميل فشله، وهو يعلم أنه باقٍ ما بقي الانقلاب، وما بقيت كارثة جوبا قائمة.
إذا كان ذلك هو حال معسكر الانقلاب، فالضفة الأخرى ليست في حال أفضل، فهي في اختلافات تمنعها عن تحقيق حد أدنى من الوحدة لإسقاط الانقلاب المترنح، وقبل ذلك اللحاق بالشارع الذي تقدم عليها كثير، ولم يبخل حتى بالأرواح. لتقع البلاد بين حالتي ضعف ستؤديان إلى اكتمال فقدان الإرادة الوطنية وصولا إلى قبول حلول مستوردة من الخارج تحمل في جوفها بذور أزمات جديدة في أي لحظة، وستكون أكثر سوءا. نحتاج فقط أن يدرك الجميع أن البلاد تواجه خطرا كبيرا وتهديدا وجوديا كفيلا بأن لا يجد المتصارعون أرضا يتصارعون عليها وليعلموا أن ما قدم من تضحيات في هذه الثورة يجعلها في موقع الفعل وليس موقع رد الفعل.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.