‫الرئيسية‬ ثقافة رؤية نقدية لإشارات الصايم في إيماءات الكون للانا
ثقافة - 19 سبتمبر 2022, 9:47

رؤية نقدية لإشارات الصايم في إيماءات الكون للانا


م. عبدالله عثمان أحمد
(1)
في البدء لا بُدً من مدخل جمالي فلسفي للمشهد النقدي العربي الحديث الذي ينفصل عن التراث تارة ويتصل مرة أخرى، ويغترب عن هويته، ويخلع جلبابه ويرتدي عدة أقمصة موضوية تجعله متعدد القياسات.
المشهد النقدي العربي تأخر مع غياب، أو اضمحلال المشهد الفلسفي العربي الذي انزوى في قاعات الدرس الأكاديمي كمناهج تاريخية؛ مما جعل العقل العربي المعاصر مستقبل غير مرسل لإنتاجه الفلسفي الجمالي، فنجد استقباله للمدارس الفلسفية الجمالية كما هي؛ ليتمسك صاحب الدرس الأكاديمي بما درسه عنها، فنجد المدرسه الكلاسيكية في تمسكها بالشكل، وعكسها الرومانسية في تهشيمها للشكل وإطلاق الروح، وهكذا انتقل صراع المدارس في أوروبا الذي أنتجته مجاميع استخلصت من تجاربها الإبداعية قواعد جمالية، وهذا يثبت أن المنجز الإبداعي في الفنون والآداب يسبق النقد الأدبي والفني، ونجد أيضًا تواصل تدفق علم الجمال الغربي في نهاية القرن الماضي مثال البنيوية، فهي ترفض ما سبقها وتركز على الجوهر الداخلي للنص ودراسة بِنيته وإن النص الأدبي مادي ومنغلق على نفسه، أي ترفض أي بعد للنص في محيطه، اجتماعي، تاريخي، نفسي. وهو مادي قائم على اللغة من جمل وكلمات.
أما الأسلوبية، فهي تهتم باختيار الألفاظ وتأثير النص في المتلقي، أي ترتبط بعلم اللغة واللسانيات، ونجد شارلي بالي يقول إن الأسلوب هو الانحراف عن المعيار الذي الذي يتطلب الصحه اللغوية فقط وتجاوزها؛ لإضفاء ظلال وألوان على الكلمات في النص، والأسلوبية تدرس النص على المستويات الأربعة، المستوي الصوتي، والمستوي الصرفي، والمستوى النحوي والدلالي
وأمّا النقد الثقافي وهو معاصر ويركز على فكرة النسق والتي استندت على تصور بنيوي للثقافة، فالنسق يتكون بفعل التراكم ويستخدم نقاد الثقافي جميع ما أنتجته المدارس الفلسفية، والنفسية، والاجتماعية، والسياسية، وغيرها.
هذه المقدمة قصدتُ بها الإشارة إلى أزمة العقل العربي في النقد الأدبي والفني في القطيعة أحياناً، وفي محاولة تعريب التجارب الغربية وعدم التلاقح المنتج عبر الفلسفة العربية التي يتأخر مشهدها، وتستقبل مستغربة دون هضم وإنتاج جديد بل دون تحصين مسبق لوجود فراغ فلسفي جمالي
لعل هذا المدخل يعينني على القارئ ويحررني من تطرف المذهبية التي لا تعترف بالآخر أو لا تشاهده إلا من زاوية مذهبها، وهذا ما هو سائد فنجد الناقد الذي درس أكاديميًا الكلاسيكية وتبناها وهو يطبقها علي الجميع وإن اختلفوا معه وهكذا يتبنى الآخرون مناهجهم

* مدخل لنصوص مجموعة إيماءات الكون للأنا
الإهداء.. إليك جدتي السيدة بنت محجوب لروحك التي لامست الكون برهافة، كأنك متكئة الآن تهدهدين قصيدتك في صمت يتبرعم الشعر في شفتيك وتزهر رؤيا الحياة.
استوقفني ازدحام الإهداء بالإشارات، الجدة التي تعني الكثير في ثقافتنا الشفاهية وتمثل عمقًا تراثيًّا لا ينضب فعلمت أن الصايم تشرًّب من معين تراثي بشاعريّة الجدة، ومحيطها الدافئ وقادتني هذه الإشارة إلى الصايم الروائي؛ فلقد تشرّب باكرًا بسرد الجدة وقصص وأحاجي المجتمع السوداني، وكم تنسكبُ في شاعرية من فم الجدة!
وكثّف في جملةٍ أخرة لروحك التي لامست الكون رهافة وهي في صمتها تتأمل كصوفي له روح خفيفة على جميع البشر الذين حوله، فهو في انطلاق دائمًا إلى قيم السماء في سماحة العارفين، لقد أزهرت الرؤيا من منظارها الذي استند على نفاذ البصيرة بطاقة الروح.
نجد شاعرية الصائم تفوَّقت على عالمٍ ملئ بالفوضى؛ فهشّم طقوس الكتابة التقليدية في القصيدة الأولية:
“لا أحتاجُ جموحًا
ولا صفاء؛ لأكتب
عالمنا ليس رائق المزاج
وأشياءه ليست منضّدة،
كممرات في حديقة مزهرة
لا أحتاجُ قهوة، ولا فكرة تسمي صائبة؛ لأكتب.. ”
هذه الثورية المتمردة على الطقوس لاتحتاج جموحًا ليقبض ناصية القصيدة، لا لا يريد أن يحلِّق في حلم شعري كما لا يريد صفاء ذهني أو صفاء المناخ العام المحيط هو ينقل الفوضى التي حوله ويوصلها بهذه الإشارة الرافضة، وكانًه يخلع تلك الفوضى التي يعاني منها في التقاطه لإيماءات كونية تحمل فوضى العالم المحيط، ولكنه يتغلَّب عليها ويؤكد أنه سيكتب، سيدون هذه الفوضى، وهو المتفاعل معها، والذي يمشي في ضجيجها، والذات قلقة من إشارات الفوضى ونبوءة استمرارها، لقد نقلها عمر الصايم بلغةٍ هادئة عكس ما تحمله الإشارة من ضجيج وفوضى؛ فعبّر بسخرية فعالمنا ليس رايق المزاج، فكيف يكون هو مرتب يتأمل ويقبض الفكرة ؟
القصيدة حملت مدخل يصور المحيط الذي كُتِبَت فيه إيماءات الكون للأنا.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.