‫الرئيسية‬ ثقافة لماذا لم تخرج المهديِّة من الطرق الصُوفيِّة الأُخرى.. بل من السمانيِّة فقط؟
ثقافة - دراسات - 18 سبتمبر 2022, 9:05

لماذا لم تخرج المهديِّة من الطرق الصُوفيِّة الأُخرى.. بل من السمانيِّة فقط؟

د.أمانى محمد العبيد عبدالرحمن*

لقد عانى السودانيون إبان الحكم التركى من فساد شديد ومذموم لم يعهده المجتمع السوداني، ولم يعهد المجتمع السوداني فساداً شديداً كفساد المسؤولين الأتراك. تزامن هذا مع وجود قضاء غير مستقل لا يستطيع أن ينصف أي مظلوم. كل هذا أدى إلى الإحساس العام بالقهر. فساد المسؤولين الاتراك كان ملموسا لدرجة أجبرت سلاطين باشا والذي كان مسؤولا في الاسخبارات التركية على الاعتراف به
For Futher information see: National Records Office, Egyptian Intelligence, Misc. 1/89/1420
شهد السودان إفراغ عدد كبير من المناطق الحضرية بسبب القمع الشديد بواسطة الأتراك للمواطنين السودانيين. الشيء الذي أدى إلى تهجير عدد كبير من السكان. فمثلا مدينة سنار أخليت تماما من السكان والمزارعين بسبب القمع الشديد الشيء الذي دعا الخديوي لأن يدعو خورشيد أغا المسؤول عن سنار لأن يوقف حملات القمع و يكسب ثقة المزارعين.
Eyptian Intelligence in Sudan, NRO, MIsc. 1/89/1422
هذه الحملات القهرية أثرت سلبا على الإنتاج الزراعي التقليدي، كما أجبرت الحكومة المزارعين على زراعة المحصولات النقدية بدلا عن الزراعة التقليدية الإعاشية المرتبطة ب
Subsistence Economy
طور الأتراك نظاما إداريا مركزيا لأول مرة في السودان (مثل النواة للدولة الحديثة في السودان). كان الهدف من هذا النظام الإداري تنفيذ: 1) جني ضرائب عالية, 2) استحداث طرق قاسية لجمع الضرائب و 3) القمع الشديد للمعارضة.
كان هذا الاستغلال مدخل لتكوين اقتصاد نقدي يسيطر على التجارة و بعض الحرف اليدوية في المدن. نتيجة لتشجيع اقتصاد السوق Market economy و زراعة المحصولات الزراعية النقدية أدى إلى دخول مسؤولي الدولة الأتراك و بعض التجار الأوروبيين في العمليات التجارية. كان سيادة الأتراك و التجار الأوروبيين في التجارة و الاقتصاد مدعاة لإثارة النزعة القومية السودانية ضد التجار الأجانب.
كانت الطرق الصوفية بحكم تحييدها للولاءات القبلية قد ساعدت على بلورة هذه النزعة القومية في فكرة مركزية هي أيدولوجية المهدي (توقع المهدي الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا). فكرة المهدي قديمة في السودان قدم الشيخ حمد النحلان (ود الترابي) كما تكلم عنه ود ضيف الله. حيث ادعى المهدية و عوقب على ذلك في مكة.
Muhammad al-Nur b. Dayfalla, Kitab al-Tabaqat fi Khusus al-Awliyya was al-’Ulama wa al-Shu’raa fi al-Sudan, Yusif Fadul (ed.), KUP, 1992, p. 164.

كانت الطرق الصوفية تمثل مؤسسات مستقلة و بعيدة عن تمدن الدولة التركية الحديثة في الخرطوم. لكن الضرائب الثقيلة التي فرضتها الدولة التركية أقعدت الطرق الصوفية عن الدور التقليدي في تلبية حاجات المعوزين و رعاية الاتباع. كون أن الدولة التركية دولة علمانية لم تتح للطرق الصوفية فرصة التوسط بين الدولة و الشعب (و هو الدور الذى كانت تقوم به هذه الطرق أواسط و أواخر السلطنة السنارية). نجد أن ظهورالمدن و التي فيها طبقة التجار، و مشتغلو الحرف اليدوية، و طبقة العلماء المعينين من قبل الأتراك ( مثل السلاوي) أضعف الدور التقليدي الذي كانت تقوم به الطرق الصوفية.
رغم أن هذا الضعف في الطرق الصوفية أضعف الدولة المهدية لاحقا إلا أن الطرق الصوفية ظلت هي البوتقة الشعبية الوحيدة للثورة على الأتراك و المناداة بالتغيير.
كان واضحا أن الطرق الصوفية عموما و الطريقة السمانية خصوصا هي التي بلورت و دعمت فكرة المهدي و المهدية.
حقيقة أن الصوفية كانت هي الوعاء للإحساس القومي في سودان القرن الثامن عشر مرده إلى أن القبلية كانت عاملا مقسمالا يتواءم مع أيدولوجية للتغيير . الحكم التركي رغم أنه خلق دولة علمانية حديثة إلا أنه تلاعب بالقبلية بقانون (فرق تسد) حيث والى بعض القبائل مثل قبيلة الشايقية و أبعد بعض القبائل الأخرى. في خضم هذه العملية تم تقسيم لبعض القبائل ذات نفسها مثل قبيلة الكبابيش في غرب السودان

Aballahi Ali Ibrahim, Al Mahdiyya was Al-Kababish nahu Mashru’iyya li Al-Mu’arada, NRO, Conference 1/60/821.

في أوائل الحكم التركي للسودان تعرضت كل الطرق الصوفية للقهر السياسي بما فيهم مركز الشيخ أحمد الطيب البشير في أم مرحي. كما جاء في كتاب أزاهير الرياض للشيخ عبد المحمود نور الدائم.

Abdel Mahmoud Nur Al Da’im, Azahir Al-Riyyad fi Manaqib Al-’Arif bi Allah Ta’ala Al-Shaikh Ahmad Al-Tayyib Al-Bashir, Cairo, 1960, p. 152.

لكن لاحقا و بسبب الضرورة الموضوعية لإعمال اللامركزية في بلد مترامي الأطراف، نحى الأتراك لاستقطاب التجار و رجالات الطرق الصوفية للتعاون مع النظام الجديد. تم دعوة الطريفة الختمية للتعاون مع النظام الجديد.

الغزو التركي المصري شمل أربعة من رجالات الدين مثلوا النواة لطبقة رجال الدين اللذين يروجون للسياسة الاستعمارية التركية.

Muhammad Ibrahim Abu Salim, “:Alim Maghribi fi Al-Sudan: Ahmad Al-Salawi”, papter submitted to The Conference of the Role of African ’Ulama in the Islamic and Arab Civilization, Baghdad, 1983, p.2.

لماذا لم تظهر الثورة المهدية من الطرق الصوفية الأخرى؟ للإجابة على هذا السؤال كان لابد من التطرق إلى طبيعة هذه الطرق في سودان القرن الثامن عشر. نجد أن الطريقة السمانية بطبيعتها المتمثلة في الصوفية و العلم or Sufi-Ulama Sufi-Scholar يتميز روادها بالاستنارة التي تمكنهم من الاستخدام الأيدولوجي للدين, كانت هذه سمة الطرق الصوفية في القرن الثامن عشر مثل السنوسية.
يتبادر للذهن لماذا لم تخرج المهدية من داخل الطرق الأحيائية الأخرى مثل المجذوبية و الطريقة الختمية التي يتميز شيوخها بالمزج بين التصوف و علوم الشريعة.
نجد أن الطريقة المجذوبية رغم أنها أحيائية في العقد 1820 إلا أن انتشارها كان محدود لأنها كانت محصورة في أسرة المجذوب و بطبيعتها الأحيائية لم تستطع أن تجذب كثير من المريدين و لم تكن طريقة شعبية. كانت طريقة أسرة محدودة الانتشار. ولكن نتيجة للمجهود الصحوي للمجذوب الصغير استطاع أن يجذب المزارعين و الرعاة في مدن بربر و شندي و مناطق شرق السودان. تعايش داخل الطريقة المجذوبية تيارين تيار التجار المؤيد للحكم التركي وتيار فقراء المزارعين و الرعاة الذين انقادوا بسرعة للدعوة إلى الثورة المهدية. لذلك نجد أن قيادة الطريقة المجذوبية نفسها برغم طبيعتها الأحيائية لم تستطع أن تقود الثورة و لكن الدعوة للإصلاح الذي أصبح في داخل الطريقة المجذوبية تلقفته قطاعات فقراء المزارعين و الرعاة ليساندوا الدعوة للثورة المهدية.
أما بالنسبة للطريقة الختمية فالمهدية فكرة رئيسية عند أحمد ابن إدريس أستاذ محمد عثمان الميرغني نجدها في كل تلاميذه : السنوسية في شمال أفريقيا، الطريقة الأحمدية في اليمن و الطريقة الرشيدية في الصومال. لذلك فالطريقة الختمية تعتبر طريقة إحيائية عن طريقين : من خلال افكار أحمد إبن إدريس و المناخ الأحيائي العام في الحجاز في القرن الثامن عشر. لكن لماذا رغم هذا لم تخرج الفكرة المهدية من داخل الطريقة الختمية في السودان؟
نجد أن الطريقة الختمية انتشرت بواسطة الرحلة الدعوية لمحمد عثمان الكبير في شمال و شرق السودان المتميزين بسيادة النشاط التجاري. لذلك كان معظم مريدي الطريقة الختمية من التجار ( هذه السمة لازمت الطريقة الختمية حتى بدايات القرن العشرين حيث كانت الطريقة الختمية تمثل رأس المال التجاري و معظم مريديها من التجار).
كان الأتراك ينشطون في التجارة عبر شمال و شرق السودان (معقل الطريقة الختمية) لذلك لم تعاد الطريقة الختمية الحكم التركي من البداية. بكونها طريقة أحيائية revivalist في الحجاز كانت تؤمن في الوحدة الإسلامية و الولاء للسلطان في إسطنبول
Muhmmad Abu Al-Qasim Haj Hamad, Al-Sudan: Al Ma’zaq Al-Tariekhi wa Afaq Al Mustaqbal, Dar al-Kalima Press, 1980, p. 33.

سبب نظرى أخر جعل الطريقة الختمية غير قائدة للثورة و التغيير هى نظرية الختم و هو أعلى مرحلة يبلغها مريد الطريقة الختمية و الختم لا يكون إلا فى داخل أسرة الميرغني فقط, بحكم أنها طريقة مركزية عالية التنظيم. (كون أنها طريقة مركزية مهد في القرن العشرين لأن تتحول إلى حزب سياسى مؤثر في السياسة السودانية خلافا للطريقة السمانية التي لم تتبلور في حزب سياسي معين بسبب أنها طريقة غير مركزية). في حين أن الترقى في الطريقة السمانية مفتوحا لأي مريد. أيمريد يمكن أن يصبح شيخأ و هذا ما مهد لمحمد أحمد أن يعلن مهديته.
نجد أن الطريقة السمانية بحكم انتشارها الواسع في عدد من القبائل و العدد الكبير لمريديها و الانعدام النسبي للتنظيم و المركزية مهد لأن تقود الثورة و التغيير السياسي في سودان القرن الثامن عشر.
الثورة هي نتاج التفاعل بين النظرية و الظروف الموضوعية التى تؤدي إلى الثورة. إذن لا النظرية وحدها و لا القمع السياسى الشديد للسودانيين من قبل الأتراك ما أدى لنجاح الثورة و لكن التداخل الديالكتيكي بين المكونين هو ما أدى إلى الثورة. في الحقيقة كانت التعبئة التي قام بها محمد أحمد للأيدولوجية المهدية هي ما أدت لنجاح الثورة المهدية .
توفرت للثورة عوامل نجاحها و هي الغبن الاجتماعي الواسع, أيدولوجية التغيير و القيادة الكاريزمية التي توفرت في شخصية محمد أحمد المهدي. لم يكن المهدي ثائرا على الطريقة السمانية (رغم خلافه مع الشيخ محمد شريف نور الدائم) بل كان شيخا سمانيا استفاد من النظرية السمانية في تطوير الأيدولوجية المهدية التي قادته للاستخدام الأيدولوجي للدين فى إلغائه الطرق الصوفية و إلغائه المذاهب الفقهية لأنه كان يعتقد أنها من أسباب التفرقة.

*دكتوارة فى العلوم السياسية، و باحث مشارك في مركز السديج الفرنسي بالخرطوم.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.